الجمعة، 14 فبراير 2014

سر الداء والبغضاء والشحناء



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين تولانا بنعمائه، وأنزل لنا جزيل خيره وعظيم نواله وعطائه، وجعلنا خير أمة أخرجت للناس، فأخرجنا من الظلمات إلى النور ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الجهالة إلى الحلم. أتم علينا نعمته، ونسأله عزَّ وجلَّ أن ينزل علينا سكينته، ويجعل هذا البلد آمنا مطمئنا

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، هو وحده اسمه السلام ، واختار خير دين واشتقه من اسمه وسماه الإسلام ، فالإسلام من السلام، وأمة الإسلام جميعاً ينبغي أن يكون فيما بينهم في وئام ومودة وسلام. وأشهد أن سيدنا محمد عبدُ الله ورسولُه ، ألَّف الله به بين القلوب المتنافرة، وبين الوحوش الكاسرة، وجعل به الأعراب الجفاة أخوة متآلفين متكاتفين متحابين في الله

اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا محمد مؤلف القلوب ، ونازع الإحن والأحقاد من الصدور ، وناشر دين الله وهديه ، الذي نشر الله به هذا النور. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، وكل من اهتدى بهديه إلى يوم الدين، آمين آمين، يا ربَّ العالمين

أيها الأخوة جماعة المؤمنين كلنا مشغول بما يدور في بلدنا الآن، نشاهد الفضائيات ، ونقرأ الصحف والمجلات، ونسمع ونشاهد في التعليقات، نريد أن نستمع إلى رؤيةسيِّد الرسل والأنبياء للدَّاء الذي نحن فيه الآن، ونأخذ منه صلى الله عليه وسلم روشتة الشفاء. والرسول صلى الله عليه وسلم كاشفه الله ببصيرته النورانية عن كل ما يحدث في هذه الأمة ولها إلى يوم الدين، ليُشَخِّصَ الدَّاء في كل زمان ومكان، ويصف له الدواء من كتاب الرحمن عزَّ وجلَّ

ماذا يقول عن دائنا المتسبب في المشاكل التي نحن فيها الآن؟ اسمعوه صلى الله عليه وسلم وهو يقول {دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ، وَالْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ} (مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي عن الزبير بن العوام)

هذا سر الداء: بغضاء في الصدور ، وشحناء في النفوس ، وتسابق في الفانيات ، وتصارع على الكراسي والرياسات - وعامة الناس لا يجدون من يبحث لهم عن توفير رغيف الخبز، أو تسيير الأمن، أو تسهيل أمور الحياة، وترخيص الأسعار ليستطيعوا أن يواجهوا هذه الحياة الدنيا بعزَّة الله التي أمر الله أن يكون عليها المؤمنين، - مع أن أي مؤمن لكي يكون مؤمناً حقاً عند الله يقول فيه الله {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} [47الحجر]

لا ينطوي صدر المؤمن على غلٍّ لأخيه أبداً ، هل يجوز أن يَبْغَضَ مسلمٌ مسلماً؟ هل يجوز أن يكره مؤمنٌ مؤمناً؟ أبداً، إنه يكره أعداء الله المشركين والكافرين والجاحدين واليهود ومن عاونهم ونصرهم أجمعين. أما أخي المسلم - حتى لو كان مرتكباً للكبائر - يجب علىَّ أن أتقرب إليه، وأتودد إليه، وأتحبب إليه ليرجع عن طريق الغي إلى طريق الهدى والرشاد ، لا أسبُّه ولا ألعنه ولا أتهمه بشرك أو كفر

لا يُكَفَّر إلا من تبرأ من {لا إله إلا الله محمد رسول الله} والمسلمون دائماً وأبداً في كل زمان ومكان، يقول الله عزَّ وجلَّ فيهم في أحاديثهم، في فضائياتهم، في كلماتهم ومقالاتهم {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} [24الحج] يقولون الكلام الطيب الذي يؤلف القلوب ، ويُطفئ نار الفتن والإحن الموجودة في الصدور - لا يُشعلون الفتن ولا يزيدونها التهاباً – يؤلفون، ويجمِّعون ولا يُفرقون، ولا يقولون ما لا ينبغي أن يقولوه في حقِّ إخوانهم المؤمنين ، لأن هذا هو الذي يؤلِّب الصدور ويثير الشحناء هل يجوز لمسلم أن يرفع لسانه بكلمة قبيحة لأخيه يقول صلى الله عليه وسلم {مَنْ أَشَاعَ عَلَى امْرِئٍ مُسْلِمٍ كَلِمَةَ بَاطِلٍ لِيُشِينَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُذِيبَهُ بِهَا مِنَ النَّارِ حَتَّى يَأْتِيَ بِنَفَاذِهَا} (الجامع في الحديث لابن وهب عن أبي الدرداء)

كيف يقول في أخيه ما ليس فيه؟ وكيف يتهمه بما لا يفعله وما لم يقوله؟ الظنون حذر منها النبي المأمون وقال {إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ} (البخاري ومسلم وسنن الترمذي)، وقال لمن لا يتورعون عن الظن {إِذَا ظَنَنْتَ فَلا تُحَقِّقْ} (أخرجه الطبراني)

لا تخبر عن ظنك أنه حقيقة إلا إذا وجدت على ذلك أدلة مادية وحسية تثبت ظنك الذي ظننت في نفسك، وإلا فاضرب بظنك عرض الحائط ، واستغفر لربِّك وتب إليه، وقل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أن أقول كلمة في أخي المؤمن أو المسلم ليست فيه، لأخالف الله وأخالف حبيبه ومُصطفاه صلى الله عليه وسلم

إذا تسابَّ مسلمان يقول فيهما صلى الله عليه وسلم {الْمُسْتَبَّانِ شَيْطَانَانِ، يَتَهَاذَيَانِ وَيَتَكَاذَبَانِ} (مسند الإمام أحمد عن عياض بن حمار) لا ينبغي لمسلم أن يسب مسلماً أبداً

تعالوا معي إلى هذا المشهد الكريم: حدث خلاف بين أبي ذر رضي الله عنه ورجل من المسلمين، وكان أسود اللون، فقال له أبو ذر غاضباً : يا ابن السوداء ، فذهب الرجل واشتكاه إلى حضرة النبي - وأظن أن هذه بالنسبة لما يقال في زماننا ليست بشيء - فغضب النبي صلى الله عليه وسلم ، ولمع الغضب في وجهه، وكان إذا غضب احمر وجهه، وقال {يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ} (البخاري ومسلم وسنن أبي داود عن أبي ذر) كيف تعيِّر أخاك بأمِّه بلون بشرتها

وأصر أبو ذر أن يعفو عنه ، وأقسم أن يطأ الرجل وجهه بقدمه تكفيراً عن ذنبه خوفاً من غضب النَّبِيِّ صلوات ربي وتسليماته عليه ولكنهم كانوا كما علَّمهم النبي غاية في الأدب ، ورفعة الذوق ، مع أنهم لم يتخرجوا من جامعات ، ولم يحصلوا على رسائل فوق الشهادات الجامعية ، ماجستير ودكتوراه ، أقسم عليه، والمؤمن لابد أن يبرَّ قسم أخيه ، فوضع قدمه محاذية لرأس أخيه ،وبينها وبينه قدر شبر ، حتى يَبِرَّ قسمه، وإن كان لم يلمس وجه أخيه بقدمه. أدبٌ ربانيّ، وتعليمٌ نبويّ، علَّمه لهم النَّبِيُّ الكريم الذي قال له ربُّه {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [4القلم]

إخواننا نسوا أننا نمثل دين الله، وأن العالم كله ينظر إلينا لا بأسمائنا ولا بأشخاصنا ، وإنما يرى فينا تعاليم ديننا ، ويُشنعون علينا في الشرق والغرب ويقولون: هؤلاءالمسلمون وهذا دين الإسلام تقاتل وصراع ، وسباب وشتام ، وكذا وكذا مما نراه ، فلا يُسيئون إلى أنفسهم ولكنهم - وللأسف - يُسيئون إلى دين الله جلَّ في علاه ، وهذه هي الطامة الكبرى التي تناسوها ولم يفطنوا إليها

إن العالم كله ينظر إلينا، لا يعرف أسمائنا، ولكن يعرف أننا مسلمون ونمثل الإسلام الذي جاء خير دين، وكل رجل منا على أوصاف خير الأنبياء والمرسلين، لقد كان إخواننا في أفريقيا عندما يذهب إليهم رجل من بلدنا يُجْرُون له احتفالات كريمة ويقولون: هذا جاء من عند النَّبِيّ ، يحتفون به لأنه مسلم جاء من بلد الأزهر ، وجاء من عند حضرة النبيّ ، وكأنه يُمثل حضرة النبيّ في أخلاقه وكمالاته وأوصافه صلوات ربي وتسليماته عليه ، إذاً الداء {دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ} (أحمد والترمذي عن الزبير بن العوام)

ثم يأتي بالدواء {وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرٍ إِذَا أَنْتُمْ فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ} (مسلم والترمذي وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه)

الدواء : المحبة والألفة، والعطف والشفقة والمودة، التي فطر الله عليها عباده المسلمين مع بعضهم ومع إخوانهم في أي زمان ومكان، والذي دعا النَّبِيُّ أن يزهو بهم عندما طبق ذلك في حياته على أهل مدينته المنورة وقال فيهم {تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى} (البخاري ومسلم وأحمد عن النعمان بن البشير)

هذا الحب الذي جعل رأس الشاة - التي تصدَّق بها الرجل الغني على فقير - تمرُّ على سبعة بيوت للفقراء، ثم ترجع إلى البيت الأول، وكل واحد منهم يُؤْثِرُ أخاه على نفسه ويذهب إليه ويعطيه الرأس، والآخر كذلك والثاني كذلك

حتى في لحظات الموت في واقعة اليرموك جُرح واحد من المسلمين وذهب إليه ابن عمه ليسأله ماذا يريد، فأشار إليه أنه يريد شربة ماء ، وعندما جاءه بالماء وجد جريحاً آخر بجواره أشار إلى الماء ، فأشار إليه أن اذهب إلى أخي ، فذهب إلى الثاني وإذا بجريح ثالث يرجو الماء ويطلب الماء ، فأشار إليه الثاني أن اذهب إلى أخي، فذهب إلي الثالث فوجده قد مات، فرجع إلى الثاني فوجده قد مات، فرجع إلى الأول فوجده قد مات ، مات الثلاثة ولم يشربوا الماء، لكنهم أخذوا وسام الاستحقاق من خالق الأرض والسماء المكتوب عليه بكلام الله ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [9الحشر]

الإيثار بينهم كان هو الأساس ، لا علاج لنا إلا بالمحبَّة ، ولا محبَّة تكون بيننا إلا إذا كانت أمنياتنا إرضاء الله ، وهدفنا إعلاء شأن دين الله ، أما إذا كانت الأهداف دنيئة دنيوية، نطلب مقاعد أو كراسي أو مكاسب ، فإن هذا يدعو إلى التقاتل ، فإن الكلاب يتقاتلون على الجِيَف ، أما الأشراف فيتعاونون على الوصول إلى المقامات الكريمة، وإلى تحقيق الأمنيات العظيمة عند الله 

قال صلى الله عليه وسلم {يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ} (سنن أبي داود ومسند أحمد عن ثوبان) حُبُّ الدنيا رأس كل خطيئة

والذي يوصل إلى المحبَّة {أفشوا السلام بينكم} (مسلم عن أبي هريرة)، لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم {ألقوا السلام} وإنما قال {أفشوا السلام} انشروا السلام في المجتمعات، وانشروا السلام في الاجتماعات، وانشروا السلام في المقالات ، وانشروا السلام في الأحاديث الجانبيات، وانشروا السلام بين المؤمنين أجمعين، وانشروا السلام بين المتقاتلين والمتخاصمين حتى يرجع المؤمنون أجمعون رجلاً واحداً يرجو رضا الله ، ويسعى للعمل لطاعة الله ، ويقتدي بهَدْى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

وعليكم جماعة المؤمنين في هذه الآنات الكريمة أن تتضرعوا إلى الله عزَّ وجلَّ أن يكشف عنا هذه الملمة، وأن يمحو عنا هذه المحن، وأن يؤلف القلوب، وأن يجعل طاعة الله عزَّ وجلَّ هدفنا جميعنا وإعلاء شأن هذا الوطن بغيتنا أجمعين وأن يجمعنا كما قال في قرآنه الكريم {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [103آل عمران].
قال صلى الله عليه وسلم : التائب حبيب الرحمن والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين، الذي أكرمنا بالهدى واليقين، ونسأله عزَّ وجلَّ أن يكرمنا في هذه الآنات بالألفة والمودة أجمعين

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل لإمام الأنبياء والمرسلين {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [63الأنفال]. اللهم كما ألفت بين الثلج والنار، ألف بين قلوب المتشاكسين والمتخاصمين في وطننا يا عزيز يا غفار

وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله القدوة الطيبة والأسوة الحسنة لنا وللخلق أجمعين

اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا محمد وارزقنا هداه ، واجعلنا ممن يقتدي به في الدنيا ويحظى بشرف شفاعته يوم الدين ، واحشرنا أجمعين في معيته مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . اللهم صلى وسلم وبارك على هذا النبيِّ التَّقي النَّقي سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين

أيها الأخوة جماعة المؤمنين :

الواجب الآن على كل فرد من المسلمين أن يلتزم الصمت في هذه الأوقات ، إلا إذا كان للنصح للمسلمين ، أو لتأليف القلوب ، أو لجمع الناس في هذه الخطوب ، لا نقول قولاً يثير الفتن ، ولا ننضم لفريق على حساب فريق ، فكلُّهم أخوة لنا ، وكلهم - على ما أعتقد وما أظن - يسعون لمصلحة بلدنا ، لكنهم أصيبوا بآفة التشدد في الرأي ، فكل فئة منهم تتشدد لرأيها ، وينبغي علينا جماعة المؤمنين إذا كان فينا عقلاء أن يدخلوا ليصلحوا بينهم {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}[9الحجرات]

ونحن جماعة المؤمنين وعوام المؤمنين يجب علينا ألا نشتبك مع أمثالنا فنزيد المبلَّة طيناً ، إن كان بالكلام ، أو كان بالأيدي أو كان بالفعال ، وإنما نحاول قدر الاستطاعة تأليف القلوب ، وجمع شتات النفوس ، لأن هذه أوقات يقول فيها صلى الله عليه وسلم فيما رواه الرافعي عن أنس رضي الله عنه {الْفِتْنَةِ نَائِمَةٌ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَيْقَظَهَا} ويقول فيما نحن فيه الآن {أَلا إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، فَقُلْتُ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: كِتَابُ اللَّهِ، فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ. مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ. وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ. هُوَ الَّذِي لا تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلا تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ، وَلا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ. هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا: "إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ"، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الترمذي عن عليّ)

وصلت الفتنة إلى ذروتها ، وأصبح كل فريق يُؤول آيات كتاب الله حسب هواه، ويؤيد أقواله بآيات من كتاب الله يلوي ذراعها لتحكي رأيه الذي يهواه، وهذا ليس من دينالله ، علينا بالرجوع عن ذلك بالفهم الصحيح لكتاب الله الذي فهمه سلفنا الصالح، أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ ومن كان معهم، ومن تابعهم على هذا الدرب من العلماء العاملين وأصحاب المذاهب أجمعين - فإنهم كانوا وَرِعِين، ولم يتأولوا على كتاب الله إلا ما يعتقدون أنه يُرضِي ربَّ العالمين - ونخرج من الأهواء الشخصية، والتأويلات السياسية لآيات كتاب الله ، فإذا رجعنا جميعاً إلى ذلك واتفقنا على ذلك ، ربما ينظر الله إلينا نظرة عطف وحنان فيُحوِّلُ حالنا إلى أحسن حال

إخواني جماعة المؤمنين :

نحن الآن - جميعاً أهل هذا الوطن - في سفينة ، والسفينة تمشي في بحر عميق ، وقد أوشك زادها من الاقتصاد أن ينفذ فماذا نفعل نحن على ظهر هذه السفينة بعد هذه المعارك الحربية، والغزوات التي يشبهها أصحابها بأنها كالغزوات الإسلامية ، ماذا يحدث لنا إذا نفذ الزاد ، وإذا انتهى رصيدنا الاقتصادي ، ماذا نصنع وماذا نفعل؟ إننا جميعا أهل هذه السفينة نحتاج إلى الإقبال على الله ، حتى ندعو الله فيستجيب لنا الله ، ويحول هذه القلوب إلى الحال الذي يحبُّه الله عزَّ وجلَّ ويرضاه، ولا نخوض في الفتن ولا نشغل الوقت بهذه المحن ، وإنما ننشغل بالعمل الصالح الذي يقربنا إلى الله ، أو محاولة التأليف بين القلوب ابتغاء وجه الله 

نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يصلح أحوالنا ، وأن يذهب فساد قلوبنا ، وأن يصحح نوايا إخواننا المسلمين أجمعين ، حكاماً ومحكومين ، رؤساء ومرءوسين ، وأن يجعل النوايا صادقة لإصلاح شأن هذا البلد ، وأن يجعلنا جميعاً نحرص على رضاء الله ، ونسعى للتأسي بحبيب الله ومُصطفاه، ونعمل لجمع الشمل ووحدة الصف كما أمرنا الله، وأن نأخذ على أيدي المنافقين والمتربصين الذين يريدون لهذا البلد سوءا ويقطع دابرهم أجمعين

اللهم خذ على أيدي المنافقين وخذ على أيدي الكافرين واليهود الذين يمدونهم بالمساعدات أجمعين ، وأجعل مصر بلدًا آمنا

اللهم اغفر لنا ولوالدينا ، وللمسلمين والمسلمات ، وللمؤمنين والمؤمنات ، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات يا رب العالمين

اللهم رد لقادة المسيرة في بلدنا رشدهم وعقولهم حتى يهتدوا إلى الرأي الصواب ، ويمدوا أيديهم إلى الأصحاب، ويهتدوا بهدي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم في الصلح والإصلاح، حتى نظل تحت راية هذا الوطن مجموعين على العمل النافع لنا في الدنيا والرافع لنا يوم الدين

عباد الله اتقوا الله {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [90النحل]

أذكروا الله يذكركم واستغفروه يغفر لكم وأقم الصلاة


منقول من {سلسلة خطب ومقالات} للشيخ فوزى محمد أبو زيد
لمشاهدة المزيد من الخطب والدروس أضغط هنا

فتن هذا العصر




undefined


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين تولانا بنعمائه، وأنزل لنا جزيل خيره وعظيم نواله وعطائه، وجعلنا خير أمة أخرجت للناس، فأخرجنا من الظلمات إلى النور ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الجهالة إلى الحلم. أتم علينا نعمته، ونسأله عزَّ وجلَّ أن ينزل علينا سكينته، ويجعل هذا البلد آمنا مطمئنا

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، هو وحده اسمه السلام ، واختار خير دين واشتقه من اسمه وسماه الإسلام ، فالإسلام منالسلام، وأمة الإسلام جميعاً ينبغي أن يكون فيما بينهم في وئام ومودة وسلام. وأشهد أن سيدنا محمد عبدُ الله ورسولُه ، ألَّف الله به بين القلوب المتنافرة، وبين الوحوش الكاسرة، وجعل به الأعراب الجفاة أخوة متآلفين متكاتفين متحابين في الله

اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا محمد مؤلف القلوب ، ونازع الإحن والأحقاد من الصدور ، وناشر دين الله وهديه ، الذي نشر الله به هذا النور. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، وكل من اهتدى بهديه إلى يوم الدين، آمين آمين، يا ربَّ العالمين

أيها الأخوة جماعة المؤمنين كلنا مشغول بما يدور في بلدنا الآن، نشاهد الفضائيات ، ونقرأ الصحف والمجلات، ونسمع ونشاهد في التعليقات، نريد أن نستمع إلى رؤية سيِّد الرسل والأنبياء للدَّاء الذي نحن فيه الآن، ونأخذ منه صلى الله عليه وسلم روشتة الشفاء. والرسول صلى الله عليه وسلم كاشفه الله ببصيرته النورانية عن كل ما يحدث في هذه الأمة ولها إلى يوم الدين، ليُشَخِّصَ الدَّاء في كل زمان ومكان، ويصف له الدواء من كتاب الرحمن عزَّ وجلَّ

ماذا يقول عن دائنا المتسبب في المشاكل التي نحن فيها الآن؟ اسمعوه صلى الله عليه وسلم وهو يقول {دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ، وَالْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ} (مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي عن الزبير بن العوام)

هذا سر الداء: بغضاء في الصدور ، وشحناء في النفوس ، وتسابق في الفانيات ، وتصارع على الكراسي والرياسات - وعامة الناس لا يجدون من يبحث لهم عن توفير رغيف الخبز، أو تسيير الأمن، أو تسهيل أمور الحياة، وترخيص الأسعار ليستطيعوا أن يواجهوا هذه الحياة الدنيا بعزَّة الله التي أمر الله أن يكون عليها المؤمنين، - مع أن أي مؤمن لكي يكون مؤمناً حقاً عند الله يقول فيه الله {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} [47الحجر]

لا ينطوي صدر المؤمن على غلٍّ لأخيه أبداً ، هل يجوز أن يَبْغَضَ مسلمٌ مسلماً؟ هل يجوز أن يكره مؤمنٌ مؤمناً؟ أبداً، إنه يكره أعداء اللهالمشركين والكافرين والجاحدين واليهود ومن عاونهم ونصرهم أجمعين. أما أخي المسلم - حتى لو كان مرتكباً للكبائر - يجب علىَّ أن أتقرب إليه، وأتودد إليه، وأتحبب إليه ليرجع عن طريق الغي إلى طريق الهدى والرشاد ، لا أسبُّه ولا ألعنه ولا أتهمه بشرك أو كفر

لا يُكَفَّر إلا من تبرأ من {لا إله إلا الله محمد رسول الله} والمسلمون دائماً وأبداً في كل زمان ومكان، يقول الله عزَّ وجلَّ فيهم في أحاديثهم، في فضائياتهم، في كلماتهم ومقالاتهم {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} [24الحج] يقولون الكلام الطيب الذي يؤلف القلوب ، ويُطفئ نار الفتنوالإحن الموجودة في الصدور - لا يُشعلون الفتن ولا يزيدونها التهاباً – يؤلفون، ويجمِّعون ولا يُفرقون، ولا يقولون ما لا ينبغي أن يقولوه في حقِّ إخوانهم المؤمنين ، لأن هذا هو الذي يؤلِّب الصدور ويثير الشحناء هل يجوز لمسلم أن يرفع لسانه بكلمة قبيحة لأخيه يقول صلى الله عليه وسلم {مَنْ أَشَاعَ عَلَى امْرِئٍ مُسْلِمٍ كَلِمَةَ بَاطِلٍ لِيُشِينَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُذِيبَهُ بِهَا مِنَ النَّارِ حَتَّى يَأْتِيَ بِنَفَاذِهَا}(الجامع في الحديث لابن وهب عن أبي الدرداء)

كيف يقول في أخيه ما ليس فيه؟ وكيف يتهمه بما لا يفعله وما لم يقوله؟ الظنون حذر منها النبي المأمون وقال {إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ} (البخاري ومسلم وسنن الترمذي)، وقال لمن لا يتورعون عن الظن {إِذَا ظَنَنْتَ فَلا تُحَقِّقْ} (أخرجه الطبراني)

لا تخبر عن ظنك أنه حقيقة إلا إذا وجدت على ذلك أدلة مادية وحسية تثبت ظنك الذي ظننت في نفسك، وإلا فاضرب بظنك عرض الحائط ، واستغفر لربِّك وتب إليه، وقل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أن أقول كلمة في أخي المؤمن أو المسلم ليست فيه، لأخالف الله وأخالف حبيبه ومُصطفاه صلى الله عليه وسلم

إذا تسابَّ مسلمان يقول فيهما صلى الله عليه وسلم {الْمُسْتَبَّانِ شَيْطَانَانِ، يَتَهَاذَيَانِ وَيَتَكَاذَبَانِ} (مسند الإمام أحمد عن عياض بن حمار) لا ينبغي لمسلم أن يسب مسلماً أبداً

تعالوا معي إلى هذا المشهد الكريم: حدث خلاف بين أبي ذر رضي الله عنه ورجل من المسلمين، وكان أسود اللون، فقال له أبو ذر غاضباً : يا ابن السوداء ، فذهب الرجل واشتكاه إلى حضرة النبي - وأظن أن هذه بالنسبة لما يقال في زماننا ليست بشيء - فغضب النبي صلى الله عليه وسلم ، ولمع الغضب في وجهه، وكان إذا غضب احمر وجهه، وقال {يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ} (البخاري ومسلم وسنن أبي داود عن أبي ذر) كيف تعيِّر أخاك بأمِّه بلون بشرتها

وأصر أبو ذر أن يعفو عنه ، وأقسم أن يطأ الرجل وجهه بقدمه تكفيراً عن ذنبه خوفاً من غضب النَّبِيِّ صلوات ربي وتسليماته عليه ولكنهم كانوا كما علَّمهم النبي غاية في الأدب ، ورفعة الذوق ، مع أنهم لم يتخرجوا من جامعات ، ولم يحصلوا على رسائل فوق الشهاداتالجامعية ، ماجستير ودكتوراه ، أقسم عليه، والمؤمن لابد أن يبرَّ قسم أخيه ، فوضع قدمه محاذية لرأس أخيه ،وبينها وبينه قدر شبر ، حتى يَبِرَّ قسمه، وإن كان لم يلمس وجه أخيه بقدمه. أدبٌ ربانيّ، وتعليمٌ نبويّ، علَّمه لهم النَّبِيُّ الكريم الذي قال له ربُّه {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [4القلم]

إخواننا نسوا أننا نمثل دين الله، وأن العالم كله ينظر إلينا لا بأسمائنا ولا بأشخاصنا ، وإنما يرى فينا تعاليم ديننا ، ويُشنعون علينا فيالشرق والغرب ويقولون: هؤلاء المسلمون وهذا دين الإسلام تقاتل وصراع ، وسباب وشتام ، وكذا وكذا مما نراه ، فلا يُسيئون إلىأنفسهم ولكنهم - وللأسف - يُسيئون إلى دين الله جلَّ في علاه ، وهذه هي الطامة الكبرى التي تناسوها ولم يفطنوا إليها

إن العالم كله ينظر إلينا، لا يعرف أسمائنا، ولكن يعرف أننا مسلمون ونمثل الإسلام الذي جاء خير دين، وكل رجل منا على أوصاف خير الأنبياء والمرسلين، لقد كان إخواننا في أفريقيا عندما يذهب إليهم رجل من بلدنا يُجْرُون له احتفالات كريمة ويقولون: هذا جاء من عندالنَّبِيّ ، يحتفون به لأنه مسلم جاء من بلد الأزهر ، وجاء من عند حضرة النبيّ ، وكأنه يُمثل حضرة النبيّ في أخلاقه وكمالاته وأوصافهصلوات ربي وتسليماته عليه ، إذاً الداء {دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ} (أحمد والترمذي عن الزبير بن العوام)

ثم يأتي بالدواء {وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرٍ إِذَا أَنْتُمْ فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ} (مسلم والترمذي وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه)

الدواء : المحبة والألفة، والعطف والشفقة والمودة، التي فطر الله عليها عباده المسلمين مع بعضهم ومع إخوانهم في أي زمان ومكان، والذي دعا النَّبِيُّ أن يزهو بهم عندما طبق ذلك في حياته على أهل مدينته المنورة وقال فيهم {تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى} (البخاري ومسلم وأحمد عن النعمان بن البشير)

هذا الحب الذي جعل رأس الشاة - التي تصدَّق بها الرجل الغني على فقير - تمرُّ على سبعة بيوت للفقراء، ثم ترجع إلى البيت الأول، وكل واحد منهم يُؤْثِرُ أخاه على نفسه ويذهب إليه ويعطيه الرأس، والآخر كذلك والثاني كذلك

حتى في لحظات الموت في واقعة اليرموك جُرح واحد من المسلمين وذهب إليه ابن عمه ليسأله ماذا يريد، فأشار إليه أنه يريد شربة ماء ، وعندما جاءه بالماء وجد جريحاً آخر بجواره أشار إلى الماء ، فأشار إليه أن اذهب إلى أخي ، فذهب إلى الثاني وإذا بجريح ثالث يرجو الماء ويطلب الماء ، فأشار إليه الثاني أن اذهب إلى أخي، فذهب إلي الثالث فوجده قد مات، فرجع إلى الثاني فوجده قد مات، فرجع إلى الأولفوجده قد مات ، مات الثلاثة ولم يشربوا الماء، لكنهم أخذوا وسام الاستحقاق من خالق الأرض والسماء المكتوب عليه بكلام الله ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [9الحشر]

الإيثار بينهم كان هو الأساس ، لا علاج لنا إلا بالمحبَّة ، ولا محبَّة تكون بيننا إلا إذا كانت أمنياتنا إرضاء الله ، وهدفنا إعلاء شأن دين الله ، أما إذا كانت الأهداف دنيئة دنيوية، نطلب مقاعد أو كراسي أو مكاسب ، فإن هذا يدعو إلى التقاتل ، فإن الكلاب يتقاتلون على الجِيَف ، أما الأشراف فيتعاونون على الوصول إلى المقامات الكريمة، وإلى تحقيق الأمنيات العظيمة عند الله 

قال صلى الله عليه وسلم {يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ} (سنن أبي داود ومسند أحمد عن ثوبان) حُبُّ الدنيا رأس كل خطيئة

والذي يوصل إلى المحبَّة {أفشوا السلام بينكم} (مسلم عن أبي هريرة)، لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم {ألقوا السلام} وإنما قال {أفشوا السلام} انشروا السلام في المجتمعات، وانشروا السلام في الاجتماعات، وانشروا السلام في المقالات ، وانشروا السلام في الأحاديث الجانبيات، وانشروا السلام بين المؤمنين أجمعين، وانشروا السلام بين المتقاتلين والمتخاصمين حتى يرجع المؤمنون أجمعون رجلاً واحداً يرجو رضا الله ، ويسعى للعمل لطاعة الله ، ويقتدي بهَدْى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

وعليكم جماعة المؤمنين في هذه الآنات الكريمة أن تتضرعوا إلى الله عزَّ وجلَّ أن يكشف عنا هذه الملمة، وأن يمحو عنا هذه المحن، وأن يؤلف القلوب، وأن يجعل طاعة الله عزَّ وجلَّ هدفنا جميعنا وإعلاء شأن هذا الوطن بغيتنا أجمعين وأن يجمعنا كما قال في قرآنه الكريم{وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [103آل عمران].
قال صلى الله عليه وسلم : التائب حبيب الرحمن والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين، الذي أكرمنا بالهدى واليقين، ونسأله عزَّ وجلَّ أن يكرمنا في هذه الآنات بالألفة والمودة أجمعين

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل لإمام الأنبياء والمرسلين {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [63الأنفال]. اللهم كما ألفت بين الثلج والنار، ألف بين قلوب المتشاكسين والمتخاصمين في وطننا يا عزيز يا غفار

وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله القدوة الطيبة والأسوة الحسنة لنا وللخلق أجمعين

اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا محمد وارزقنا هداه ، واجعلنا ممن يقتدي به في الدنيا ويحظى بشرف شفاعته يوم الدين ، واحشرنا أجمعين في معيته مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . اللهم صلى وسلم وبارك على هذا النبيِّ التَّقي النَّقي سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين

أيها الأخوة جماعة المؤمنين :

الواجب الآن على كل فرد من المسلمين أن يلتزم الصمت في هذه الأوقات ، إلا إذا كان للنصح للمسلمين ، أو لتأليف القلوب ، أو لجمع الناس في هذه الخطوب ، لا نقول قولاً يثير الفتن ، ولا ننضم لفريق على حساب فريق ، فكلُّهم أخوة لنا ، وكلهم - على ما أعتقد وما أظن - يسعون لمصلحة بلدنا ، لكنهم أصيبوا بآفة التشدد في الرأي ، فكل فئة منهم تتشدد لرأيها ، وينبغي علينا جماعة المؤمنين إذا كان فينا عقلاء أن يدخلوا ليصلحوا بينهم {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [9الحجرات]

ونحن جماعة المؤمنين وعوام المؤمنين يجب علينا ألا نشتبك مع أمثالنا فنزيد المبلَّة طيناً ، إن كان بالكلام ، أو كان بالأيدي أو كان بالفعال ، وإنما نحاول قدر الاستطاعة تأليف القلوب ، وجمع شتات النفوس ، لأن هذه أوقات يقول فيها صلى الله عليه وسلم فيما رواه الرافعي عن أنس رضي الله عنه {الْفِتْنَةِ نَائِمَةٌ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَيْقَظَهَا} ويقول فيما نحن فيه الآن {أَلا إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، فَقُلْتُ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: كِتَابُ اللَّهِ، فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ. مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ. وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ. هُوَ الَّذِي لا تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلا تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ، وَلا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ. هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا: "إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ"، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(الترمذي عن عليّ)

وصلت الفتنة إلى ذروتها ، وأصبح كل فريق يُؤول آيات كتاب الله حسب هواه، ويؤيد أقواله بآيات من كتاب الله يلوي ذراعها لتحكي رأيه الذي يهواه، وهذا ليس من دين الله ، علينا بالرجوع عن ذلك بالفهم الصحيح لكتاب الله الذي فهمه سلفنا الصالح، أبو بكر وعمر وعثمانوعليّ ومن كان معهم، ومن تابعهم على هذا الدرب من العلماء العاملين وأصحاب المذاهب أجمعين - فإنهم كانوا وَرِعِين، ولم يتأولوا على كتاب الله إلا ما يعتقدون أنه يُرضِي ربَّ العالمين - ونخرج من الأهواء الشخصية، والتأويلات السياسية لآيات كتاب الله ، فإذا رجعنا جميعاً إلى ذلك واتفقنا على ذلك ، ربما ينظر الله إلينا نظرة عطف وحنان فيُحوِّلُ حالنا إلى أحسن حال

إخواني جماعة المؤمنين :

نحن الآن - جميعاً أهل هذا الوطن - في سفينة ، والسفينة تمشي في بحر عميق ، وقد أوشك زادها من الاقتصاد أن ينفذ فماذا نفعل نحن على ظهر هذه السفينة بعد هذه المعارك الحربية، والغزوات التي يشبهها أصحابها بأنها كالغزوات الإسلامية ، ماذا يحدث لنا إذا نفذ الزاد ، وإذا انتهى رصيدنا الاقتصادي ، ماذا نصنع وماذا نفعل؟ إننا جميعا أهل هذه السفينة نحتاج إلى الإقبال على الله ، حتى ندعو الله فيستجيب لنا الله ، ويحول هذه القلوب إلى الحال الذي يحبُّه الله عزَّ وجلَّ ويرضاه، ولا نخوض في الفتن ولا نشغل الوقت بهذه المحن ، وإنما ننشغل بالعمل الصالح الذي يقربنا إلى الله ، أو محاولة التأليف بين القلوب ابتغاء وجه الله 

نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يصلح أحوالنا ، وأن يذهب فساد قلوبنا ، وأن يصحح نوايا إخواننا المسلمين أجمعين ، حكاماً ومحكومين ، رؤساء ومرءوسين ، وأن يجعل النوايا صادقة لإصلاح شأن هذا البلد ، وأن يجعلنا جميعاً نحرص على رضاء الله ، ونسعى للتأسي بحبيب اللهومُصطفاه، ونعمل لجمع الشمل ووحدة الصف كما أمرنا الله، وأن نأخذ على أيدي المنافقين والمتربصين الذين يريدون لهذا البلد سوءا ويقطع دابرهم أجمعين

اللهم خذ على أيدي المنافقين وخذ على أيدي الكافرين واليهود الذين يمدونهم بالمساعدات أجمعين ، وأجعل مصر بلدًا آمنا

اللهم اغفر لنا ولوالدينا ، وللمسلمين والمسلمات ، وللمؤمنين والمؤمنات ، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات يا رب العالمين

اللهم رد لقادة المسيرة في بلدنا رشدهم وعقولهم حتى يهتدوا إلى الرأي الصواب ، ويمدوا أيديهم إلى الأصحاب، ويهتدوا بهدي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم في الصلح والإصلاح، حتى نظل تحت راية هذا الوطن مجموعين على العمل النافع لنا في الدنيا والرافع لنا يوم الدين

عباد الله اتقوا الله {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [90النحل]

أذكروا الله يذكركم واستغفروه يغفر لكم وأقم الصلاة


منقول من {سلسلة خطب ومقالات} للشيخ فوزى محمد أبو زيد
لمشاهدة المزيد من الخطب والدروس أضغط هنا

السبت، 7 ديسمبر 2013

القائمون لله فى الأخلاق والسلوكيات للشيخ/ فوزى محمد أبو زيد (+قائمة تشغيل)



الرسول صل الله عليه وسلم  وحقوق الإنسان
الحمد لله ربِّ العالمين، الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، خلق السموات والأرض بإرادته، فكون فيهم ما يريد بحكمته، وجعل كل شئ فيهما وبينهما يتحرك بمشيئته سبحانه سبحانه! .... هو الواحد في فعاله، الكامل في خصاله، العالي في علو نعوته وجماله، الذي لا يشغله شأن عن شأن .... أوجد الوجود بفضله وعدله وحكمته، وأرسل حبيبه ومصطفاه رحمة عامة لجميع خليقته.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل لكل شئ سبباً، فجعل الأكل سبباً للشبع، والماء سبباً لري الظمأ، والدواء سبباً للشفاء، والشمس سبباً للضوء، والحبيب r سبباً للهداية، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيِّه من خلقه وخليله، اختاره الله عزوجل  على حين فترة من الرسل فأقام به الملَّة العوجاء، ونشر به الشريعة السمحاء، وهدى به بعد ضلالة، وجمع به بعد فُرْقة، وأعز به بعد ذلة.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد سبب هدايتنا، وسر عنايتنا، وباب سعادتنا، والشفيع الأعظم لنا يوم بعثنا وحشرنا ونشرنا، وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم صلاة ينوَّر الله عزوجل بها قبورنا، ويحشرنا بها تحت لواء شفاعته، ويجعلنا بها جميعاً من أهل جواره في جنته، آمين آمين يا ربَّ العالمين.
أما بعد... فيا أيها الإخوة المؤمنون، ونحن نحتفل بذكرى ميلاد رسولنا الكريم صل الله عليه وسلم ننظر ونتدبر في أمره الذي من أجله أنزله الله عزوجل  علينا، فنجد إنه صل الله عليه وسلم فضلاً عن أنه باب الهداية، والسبب في العناية، وإذا آمنا به وصدقناه، واتبعناه، واتبعنا النور الذي أُنزل معه كنا يوم القيامة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولكن الأمر الهام وهو الذي يجعل المرء في دهشة من أمر نبي الإسلام r، هو أنه جاء بنظام محكم سديد لصلاح البشرية في كل أطوارها ومراحلها.
صلاح الفرد في نفسه، وصلاح الأسرة في المنزل، وصلاح البيئات والمجتمعات، إن كان في النواحي السياسية، أو في النواحي الاقتصادية، أو في النواحي التشريعية والقانونية، أو حتى في الأمور الترويحية، لم يدع صغيرة ولا كبيرة من أمر البشرية إلا وجاء فيها بالنظام المحكم السَّديد، والهدي القرآني الرشيد ....
وستكشف لنا الأيام صدق هذا الأمر الذي قلناه، فإن البشرية منذ بعثتهe  يفكر المفكرون، ويشرع المقنِّنون، ويضع النظم الفلاسفة والحكماء، والقائمون بالأمور، فيكتشفون عيوباً في النظم البشرية، وثغرات في القوانين الوضعية، فيرجعون إلى النظام السديد، والقانون الرشيد، فيجدون أنه لا يصلح لجميع العبيد إلا ما جاء به النبي الرشيد صل الله عليه وسلم .
ففي هذه الأيام تتشدَّق دول الغرب بحقوق الإنسان، ويجعلون من أنفسهم أنبياء يطالبون البشرية بحقوق الإنسان، ولكنهم يطبقونها بميزان له كفَّتان: من واصلهم أعانوه، ومن رفض نظامهم قاطعوه، وسلَّطوا عليه الحروب التي لا تحتملها دولته.
أما حقوق الإنسان التي جاء بها النبي العدنان صل الله عليه وسلم ، وشرعها في خطبة الوداع، فما زالت هي النبراس المضئ لكل البشرية إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها، وهي التي قال في بعض بنودها صل الله عليه وسلم :
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ. أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلاَ لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلاَ لأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إلاَّ بِالتَّقْوَى إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }[1].
وقد حرَّم فيها صل الله عليه وسلم  الاعتداء على الأموال، والاعتداء على الأعراض، والاعتداء على الأجساد وقد قال في ذلك المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام مخاطباً الأمة كلها من بدئها إلى الختام :
{ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَىٰ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: مَالُهُ، وَعِرْضُهُ، وَدَمُهُ }[2]  إلى بقية هذه الوثيقة التي نقلوها وطوروها بحسب لغة العصر وادّعوا أنهم صانعوها، ولكن كذبهم ظهر في عدم فلاحهم في تطبيقها لأن الرسول صل الله عليه وسلم  هو الذي جاء بها.
ولو نظرنا إلى المُثل والأمثلة لتطبيقها في عصره وعصور أصحابه الكرام، لعجزنا وعجز الوقت عن استيعاب بعضها فضلاً عنها كلها.
فجاء رسول الله صل الله عليه وسلم  بالمناهج السدية لإصلاح جميع البشر ففي ميدان الاقتصاد جعل سعي التاجر رسالة إنسانية لنفع العباد والبلاد، فالتاجر يسعى لجلب تجارته ليس للربح فقط، وإنما ليجلب السعادة لمن حوله من أهل مجتمعه فيرضيهم فيرضى الله عزوجل عنهم، هدفه الأول هو هذه الرسالة ثم بعد ذلك يجعل لنفسه هامش ربح يبارك الله فيه وإن كان قليلاً فيجعله كثيراً، وكان لهذا لا يغش ولا يخون ولا يداري عيب بضاعته، بل لابد أن يُظْهر عيبها ويُعرَّفها للمشتري كما أمر الحبيب صل الله عليه وسلم .
هؤلاء التجار الصادقون في منهج النبي المختار بصدقهم وآمانتهم وهديهم في تجارتهم وحسن تعاملاتهم فتحوا بلاداً كإندونيسيا والفلبين والصين وكثير من دول إفريقيا ليس بالكلمة ولا بالعظة ولا بالمسجّلات، وإنما بالتعاملات التي ورثوها عن هذا الدين الحنيف الذي جاء به النبي الشريف صلوات الله وسلامه عليه.
أما في عصرنا فقد أصبح همَّ التاجر الربح المادي ولذلك نجد الجشع والسُّعار المادي يجعله لا يتورع في غشّ، ولا يتهاون في سبيل الحصول على المال بأي وسيلة من الوسائل الدنيوية ولا يلتزم بالأوامر الإلهية فبدَّل الله حالنا، وذهبت الثقة في التعامل من بيننا ولن ترجع إلا إذا رجعنا إلى هدى قرآننا وتعاليم نبينا صل الله عليه وسلم .
وهكذا يا إخواني الأمر في كل الأموروأنبه وأقول فى كل الأمور ...
فادرسوا مناهجه السديدة، وطرقه الرشيدة في كل أمر من الأمورتجدونها لا تعتمد فقط على الخبرة ولكنها تعتمد أيضاً على صلاحية القدرة، قدرة الله الذي صنع، والذي أبدع، والذي يعلم مالا نعلم عن مصالحنا في الدنيا وسعادتنا في الآخرة ....
فالخالق عزوجل  الذي أوجد الإنسان ويعلم ما ينفع الإنسان في سلوكه مع زوجه وأهل بيته لتكون حياته سديدة رشيدة جاء بذلك في قرآنه، والله عزوجل  الذي علم أن صلاح المجتمعات يقتضي نوعاً ما من المعاملات، جاء بهذه المعاملات سواء في البيع أو في الشراء أو في التداول أو في التزاور، أو في الجلوس على الطرقات، أو في الاستدانة من الآخرين، أو في طلب المعونة من المحيطين وكل أمر قدَّره ودبَّره تدبيراً عظيماً 
[ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا] ۚ(49الكهف).
فصلاح أمرنا بالرجوع إلى هدى حبيب الله ومصطفاه وأنتم ترون اليوم ماذا حدث للأنظمة الدنيوية؟ فهذا النظام الشيوعي قد سقط برمَّته لأنه من وضع بني الإنسان، وهذا النظام الرأسمالي يوشك أن ينحط ويسقط برمَّته لأنه ليس في تطبيقه سعادة ولا عدالة لبني الإنسان. إذاً أين السعادة؟
في اتباع القرآن، وفي هدى النبي العدنان .... وقد عرف صل الله عليه وسلم  الحال الذي نحن فيه الآن، ورأى الفتن المحيطة بنا ومن حولنا ودلَّنا على الروشتَّة الربانية 
التي فيها إصلاح حالنا فقال صل الله عليه وسلم : { ألا إنها سَتَكُونُ فتن كَقِطعِ الَّليْلِ المُظْلِم } وهي ما نراه يبيع الأخ فيها أخاه ويدنِّس عرضه طمعاً في دراهم قليلة لا تنفعه في دنياه، ويخسر ضميره بسبب قروش قليلة قد لا يُعجِّل له العمر بصرفها، وإذا صرفها ينفقها فيما يُغضب الله ....
رأى صل الله عليه وسلم  بنورانيته وبما أطلعه الله عليه .... رأى كل هذه الفتن فقال:
{ أَلاَ إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، قِيلَ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: كِتَابُ اللَّهِ، فِيهِ نَبَا مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَىٰ الْهُدَىٰ فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لاَ تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ وَلاَ تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسُنُ، وَلاَ تَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلاَ يَخْلُقِ عَنْ كَثْرَةِ الرَّد، وَلاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا
 [ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ (  إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنَاً عَجَبَاً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمَلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دُعِيَ إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيمٍ }[3].
ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واحد أحد فرد صمد ... يُظهر دينه ويُعْلي شأن قرآنه ولو كره الكافرون.
وأشهد أن سيدنا محمد عبد الله وسوله الطبيب الأعظم لأدواء البشرية، والحكيم الأكبر لجميع العلل الاجتماعية، والذي صنع الله على يديه المراهم والأشفية التي تشفي جميع العلل الفردية والاجتماعية والدولية ...
اللهم صلِّ وسلم وبارك على كنز الهوية ورمز الأسرار الربانية سيدنا محمد وآله أصحاب النفوس الزكية وأصحابه أولي العطية.
أما بعد... فيا إخواني المسلمين العجب أن الله جعل في بيوتنا جميعاً، وفي متناولنا جميعاً تعاليم السماء ووحي الأنبياء، وقوانين إصلاح جميع الأشياء لكنه يحتاج منا إلى العمل بقوله تعالى:[ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ]  (40القمر) ... فنحن نحتاج لأن نتدبره، نحن جميعاً والحمد لله نقرأ القرآن، ولكننا نقرأه إما طلباً للأجر والثواب، وإما تنفيذاً لأمر الله عزوجل  ولكننا مطالبون بأن نقرأه ونتدبره لنعمل به ...
فمن تدبر القرآن وأحكامه وعمل به في نفسه وفي بيته سيكون هذا البيت سعيداً بأمر الله، لأن الله قال وهو أصدق القائلين [ مَنْ 
عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً( - 
هذا في الدنيا أما في الآخرة -
  وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ].(97النحل)..
فمن ترك العمل بكتاب الله مع زوجه وولده، ومشى على حسب حظه أو حظهم، وهواه أو أهوائهم كان في حياته تعب وغم وشقاء ونكد لأن الله قال وهو أصدق القائلين:
 [وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا] (124طه).
وذكره هو القرآن الكريم ...
وهكذا الأمر في أعمالنا وفي بيوتنا وفى مصانعنا وأشغالنا وفى شوارعنا وفي مجتمعاتنا وفى كل مكان نكون فيه ....
نحن جميعاً يا إخواني نحتاج .... ليس إلى وضع المصاحف في صالون المنزل أو في السيارة أو على المكتب كواجهة، لكن نحتاج أن ننقل معانيه إلى صدورنا، ونترجمها في سلوكنا وأفعالنا، حتى يكون الرجل منا صورة لمعاني القرآن كما كان صل الله عليه وسلم  قدوتنا قرآناً يمشي بين الناس أو يمشى على الأرض.كما قال فيه الواصفون 

الرسول صل الله عليه وسلم وحقوق الإنسان

الرسول e وحقوق الإنسان

الرسول صل الله عليه وسلم  وحقوق الإنسان
الحمد لله ربِّ العالمين، الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، خلق السموات والأرض بإرادته، فكون فيهم ما يريد بحكمته، وجعل كل شئ فيهما وبينهما يتحرك بمشيئته سبحانه سبحانه! .... هو الواحد في فعاله، الكامل في خصاله، العالي في علو نعوته وجماله، الذي لا يشغله شأن عن شأن .... أوجد الوجود بفضله وعدله وحكمته، وأرسل حبيبه ومصطفاه رحمة عامة لجميع خليقته.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل لكل شئ سبباً، فجعل الأكل سبباً للشبع، والماء سبباً لري الظمأ، والدواء سبباً للشفاء، والشمس سبباً للضوء، والحبيب r سبباً للهداية، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيِّه من خلقه وخليله، اختاره الله عزوجل  على حين فترة من الرسل فأقام به الملَّة العوجاء، ونشر به الشريعة السمحاء، وهدى به بعد ضلالة، وجمع به بعد فُرْقة، وأعز به بعد ذلة.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد سبب هدايتنا، وسر عنايتنا، وباب سعادتنا، والشفيع الأعظم لنا يوم بعثنا وحشرنا ونشرنا، وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم صلاة ينوَّر الله عزوجل بها قبورنا، ويحشرنا بها تحت لواء شفاعته، ويجعلنا بها جميعاً من أهل جواره في جنته، آمين آمين يا ربَّ العالمين.
أما بعد... فيا أيها الإخوة المؤمنون، ونحن نحتفل بذكرى ميلاد رسولنا الكريم صل الله عليه وسلم ننظر ونتدبر في أمره الذي من أجله أنزله الله عزوجل  علينا، فنجد إنه صل الله عليه وسلم فضلاً عن أنه باب الهداية، والسبب في العناية، وإذا آمنا به وصدقناه، واتبعناه، واتبعنا النور الذي أُنزل معه كنا يوم القيامة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولكن الأمر الهام وهو الذي يجعل المرء في دهشة من أمر نبي الإسلام r، هو أنه جاء بنظام محكم سديد لصلاح البشرية في كل أطوارها ومراحلها.
صلاح الفرد في نفسه، وصلاح الأسرة في المنزل، وصلاح البيئات والمجتمعات، إن كان في النواحي السياسية، أو في النواحي الاقتصادية، أو في النواحي التشريعية والقانونية، أو حتى في الأمور الترويحية، لم يدع صغيرة ولا كبيرة من أمر البشرية إلا وجاء فيها بالنظام المحكم السَّديد، والهدي القرآني الرشيد ....
وستكشف لنا الأيام صدق هذا الأمر الذي قلناه، فإن البشرية منذ بعثتهe  يفكر المفكرون، ويشرع المقنِّنون، ويضع النظم الفلاسفة والحكماء، والقائمون بالأمور، فيكتشفون عيوباً في النظم البشرية، وثغرات في القوانين الوضعية، فيرجعون إلى النظام السديد، والقانون الرشيد، فيجدون أنه لا يصلح لجميع العبيد إلا ما جاء به النبي الرشيد صل الله عليه وسلم .
ففي هذه الأيام تتشدَّق دول الغرب بحقوق الإنسان، ويجعلون من أنفسهم أنبياء يطالبون البشرية بحقوق الإنسان، ولكنهم يطبقونها بميزان له كفَّتان: من واصلهم أعانوه، ومن رفض نظامهم قاطعوه، وسلَّطوا عليه الحروب التي لا تحتملها دولته.
أما حقوق الإنسان التي جاء بها النبي العدنان صل الله عليه وسلم ، وشرعها في خطبة الوداع، فما زالت هي النبراس المضئ لكل البشرية إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها، وهي التي قال في بعض بنودها صل الله عليه وسلم :
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ. أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلاَ لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلاَ لأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إلاَّ بِالتَّقْوَى إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }[1].
وقد حرَّم فيها صل الله عليه وسلم  الاعتداء على الأموال، والاعتداء على الأعراض، والاعتداء على الأجساد وقد قال في ذلك المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام مخاطباً الأمة كلها من بدئها إلى الختام :
{ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَىٰ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: مَالُهُ، وَعِرْضُهُ، وَدَمُهُ }[2]  إلى بقية هذه الوثيقة التي نقلوها وطوروها بحسب لغة العصر وادّعوا أنهم صانعوها، ولكن كذبهم ظهر في عدم فلاحهم في تطبيقها لأن الرسول صل الله عليه وسلم  هو الذي جاء بها.
ولو نظرنا إلى المُثل والأمثلة لتطبيقها في عصره وعصور أصحابه الكرام، لعجزنا وعجز الوقت عن استيعاب بعضها فضلاً عنها كلها.
فجاء رسول الله صل الله عليه وسلم  بالمناهج السدية لإصلاح جميع البشر ففي ميدان الاقتصاد جعل سعي التاجر رسالة إنسانية لنفع العباد والبلاد، فالتاجر يسعى لجلب تجارته ليس للربح فقط، وإنما ليجلب السعادة لمن حوله من أهل مجتمعه فيرضيهم فيرضى الله عزوجل عنهم، هدفه الأول هو هذه الرسالة ثم بعد ذلك يجعل لنفسه هامش ربح يبارك الله فيه وإن كان قليلاً فيجعله كثيراً، وكان لهذا لا يغش ولا يخون ولا يداري عيب بضاعته، بل لابد أن يُظْهر عيبها ويُعرَّفها للمشتري كما أمر الحبيب صل الله عليه وسلم .
هؤلاء التجار الصادقون في منهج النبي المختار بصدقهم وآمانتهم وهديهم في تجارتهم وحسن تعاملاتهم فتحوا بلاداً كإندونيسيا والفلبين والصين وكثير من دول إفريقيا ليس بالكلمة ولا بالعظة ولا بالمسجّلات، وإنما بالتعاملات التي ورثوها عن هذا الدين الحنيف الذي جاء به النبي الشريف صلوات الله وسلامه عليه.
أما في عصرنا فقد أصبح همَّ التاجر الربح المادي ولذلك نجد الجشع والسُّعار المادي يجعله لا يتورع في غشّ، ولا يتهاون في سبيل الحصول على المال بأي وسيلة من الوسائل الدنيوية ولا يلتزم بالأوامر الإلهية فبدَّل الله حالنا، وذهبت الثقة في التعامل من بيننا ولن ترجع إلا إذا رجعنا إلى هدى قرآننا وتعاليم نبينا صل الله عليه وسلم .
وهكذا يا إخواني الأمر في كل الأموروأنبه وأقول فى كل الأمور ...
فادرسوا مناهجه السديدة، وطرقه الرشيدة في كل أمر من الأمورتجدونها لا تعتمد فقط على الخبرة ولكنها تعتمد أيضاً على صلاحية القدرة، قدرة الله الذي صنع، والذي أبدع، والذي يعلم مالا نعلم عن مصالحنا في الدنيا وسعادتنا في الآخرة ....
فالخالق عزوجل  الذي أوجد الإنسان ويعلم ما ينفع الإنسان في سلوكه مع زوجه وأهل بيته لتكون حياته سديدة رشيدة جاء بذلك في قرآنه، والله عزوجل  الذي علم أن صلاح المجتمعات يقتضي نوعاً ما من المعاملات، جاء بهذه المعاملات سواء في البيع أو في الشراء أو في التداول أو في التزاور، أو في الجلوس على الطرقات، أو في الاستدانة من الآخرين، أو في طلب المعونة من المحيطين وكل أمر قدَّره ودبَّره تدبيراً عظيماً 
[ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا] ۚ(49الكهف).
فصلاح أمرنا بالرجوع إلى هدى حبيب الله ومصطفاه وأنتم ترون اليوم ماذا حدث للأنظمة الدنيوية؟ فهذا النظام الشيوعي قد سقط برمَّته لأنه من وضع بني الإنسان، وهذا النظام الرأسمالي يوشك أن ينحط ويسقط برمَّته لأنه ليس في تطبيقه سعادة ولا عدالة لبني الإنسان. إذاً أين السعادة؟
في اتباع القرآن، وفي هدى النبي العدنان .... وقد عرف صل الله عليه وسلم  الحال الذي نحن فيه الآن، ورأى الفتن المحيطة بنا ومن حولنا ودلَّنا على الروشتَّة الربانية 
التي فيها إصلاح حالنا فقال صل الله عليه وسلم : { ألا إنها سَتَكُونُ فتن كَقِطعِ الَّليْلِ المُظْلِم } وهي ما نراه يبيع الأخ فيها أخاه ويدنِّس عرضه طمعاً في دراهم قليلة لا تنفعه في دنياه، ويخسر ضميره بسبب قروش قليلة قد لا يُعجِّل له العمر بصرفها، وإذا صرفها ينفقها فيما يُغضب الله ....
رأى صل الله عليه وسلم  بنورانيته وبما أطلعه الله عليه .... رأى كل هذه الفتن فقال:
{ أَلاَ إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، قِيلَ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: كِتَابُ اللَّهِ، فِيهِ نَبَا مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَىٰ الْهُدَىٰ فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لاَ تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ وَلاَ تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسُنُ، وَلاَ تَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلاَ يَخْلُقِ عَنْ كَثْرَةِ الرَّد، وَلاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا
 [ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ (  إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنَاً عَجَبَاً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمَلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دُعِيَ إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيمٍ }[3].
ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واحد أحد فرد صمد ... يُظهر دينه ويُعْلي شأن قرآنه ولو كره الكافرون.
وأشهد أن سيدنا محمد عبد الله وسوله الطبيب الأعظم لأدواء البشرية، والحكيم الأكبر لجميع العلل الاجتماعية، والذي صنع الله على يديه المراهم والأشفية التي تشفي جميع العلل الفردية والاجتماعية والدولية ...
اللهم صلِّ وسلم وبارك على كنز الهوية ورمز الأسرار الربانية سيدنا محمد وآله أصحاب النفوس الزكية وأصحابه أولي العطية.
أما بعد... فيا إخواني المسلمين العجب أن الله جعل في بيوتنا جميعاً، وفي متناولنا جميعاً تعاليم السماء ووحي الأنبياء، وقوانين إصلاح جميع الأشياء لكنه يحتاج منا إلى العمل بقوله تعالى:[ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ]  (40القمر) ... فنحن نحتاج لأن نتدبره، نحن جميعاً والحمد لله نقرأ القرآن، ولكننا نقرأه إما طلباً للأجر والثواب، وإما تنفيذاً لأمر الله عزوجل  ولكننا مطالبون بأن نقرأه ونتدبره لنعمل به ...
فمن تدبر القرآن وأحكامه وعمل به في نفسه وفي بيته سيكون هذا البيت سعيداً بأمر الله، لأن الله قال وهو أصدق القائلين [ مَنْ 
عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً( - 
هذا في الدنيا أما في الآخرة -
  وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ].(97النحل)..
فمن ترك العمل بكتاب الله مع زوجه وولده، ومشى على حسب حظه أو حظهم، وهواه أو أهوائهم كان في حياته تعب وغم وشقاء ونكد لأن الله قال وهو أصدق القائلين:
 [وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا] (124طه).
وذكره هو القرآن الكريم ...
وهكذا الأمر في أعمالنا وفي بيوتنا وفى مصانعنا وأشغالنا وفى شوارعنا وفي مجتمعاتنا وفى كل مكان نكون فيه ....
نحن جميعاً يا إخواني نحتاج .... ليس إلى وضع المصاحف في صالون المنزل أو في السيارة أو على المكتب كواجهة، لكن نحتاج أن ننقل معانيه إلى صدورنا، ونترجمها في سلوكنا وأفعالنا، حتى يكون الرجل منا صورة لمعاني القرآن كما كان صل الله عليه وسلم  قدوتنا قرآناً يمشي بين الناس أو يمشى على الأرض.كما قال فيه الواصفون .......  << ثم الدعاء >>. 

[1]  رواه أحمد في مسنده عن جابر في خطبة الوداع.
[2]  خرَّجه أحمد في مسنده وابن شهاب في مسنده عن أبي هريرة.
[3] رواه الترمذي عن علي رضى الله عنه  وكرم وجهه.

الأربعاء، 13 نوفمبر 2013

الروشتة النبوية لحل المشاكل البشرية



الحمد لله رب العالمين
 أكرمنا بالإيمان والتقى ودين الإسلام وجعلنا من عباده المسلمين. سبحانه سبحانه .. لا يهدي لهذا الدين إلا مَنْ أحبَّه، ولا يوفِّقُ أهل هذا الدين - إذا صدقوا النيَّة - إلا لما يُحِبُّه ويرضاه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، قلوب العباد بيده يقلِّبها كيف شاء، (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) (8آل عمران)، اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع قلوب عبادك المؤمنين في هذا البلد على كلمة سواء، ووفِّقهم للعمل على إحياء الشريعة الغراء، والاقتداء بهدي سيِّد الرسل والأنبياء، واقض على المنافقين والمشاحنين وجميع الفرقاء يا أكرم الأكرمين.
وأشهد أن سيدنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه، أقام الله عزَّ وجلَّ به الملَّة السَّمْحَاء، وأحيا به الشريعة البيضاء، وألف به بين القلوب المتنافرة، وجعل العرب بفضل الانتماء لدينه وإتباع هديه يتغلبون على القياصرة والأكاسرة.
اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد الذي هديتنا به بعد ضلالة، وعلمتنا به بعد جهالة، وجمعتنا به بعد فرقة، وأعززتنا به بعد ذلة. صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وكل مَنْ مشى على هديه إلى يوم الدين، وعلينا معهم أجمعين، آمين .. آمين يا رب العالمين.
أيها الأخوة جماعة المؤمنين: هل من روشتة ربانية نبوية لما نحن فيه الآن، تجمع الشمل وتوحد الصف، وتجعلنا جميعًا نعمل بقول الله: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ (103آل عمران)؟ ما سبب الفرقة التي نحن فيها الآن؟ وكيف الخلاص منها في بيان النَّبِيِّ العدنان صلى الله عليه وسلم؟
نظر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعين قلبه النورانية التي زكَّاها في قرآنه ربُّ البرية وقال له قل لهم: (قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (108يوسف)، نظر إلى ما نحن فيه الآن من أهواء وتنافسات وخلافات، وتشتت في الرأي، وعدم التزام الأدب في الحوار، وأصبحنا مع أننا أمة واحدة - ربُّنا واحد، وكتابنا واحد، وديننا واحد، ونبيُّنا واحد - أصبحنا مفترقين، والكُلُّ يظنُّ أنه على الحقِّ، بل ويتجاوز قدره، وربما يُخَطِّئُ أخاه في الله، وربما يسبُّه بما لا يرضاه الله، وربما يتكلم في حقِّه بطريقة نَهى عنها رسول الله، بل ربما يتعدى ذلك فينسبه إلى الكفر - والعياذ بالله - مع أن الحكم في كل ذلك ليس لأحد من الخلق (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّه) (40يوسف).
نَظَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ليصف لنا الداء فنتجنَّبه، ونأخذ من كتاب الله الشفاء فنرجع أخوة أودَّاء أصدقاء، ونتوحَّد أمام الأعداء الذين (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (8الصف). فقال صلى الله عليه وسلم مشخِّصاً سبب الدَّاء الذي نحن فيه - داء الفرقة، داء التنافس في الفانيات، داء الصراع على المناصب الفانية، داء التحزُّب الذي نَهى عنه الله في كلماته الباقية، وقال صلى الله عليه وسلم:
{يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقال قائل يا رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت} (رواه أبو داود عن ثوبان رضي الله عنه).
لِمَ الخلاف ونحن أخوة متآلفين؟!! من أجل مناصب فانية!! من أجل شهوات دنيوية في المال وغيره دانية!! وهل هذا الذي ربَّانا عليه الإسلام؟!! وهل هذا الذي كان عليه أصحاب النبي عليه أفضل الصلاة وأتم السلام؟!! كلاَّ والله يا إخواني، إنَّهم كانوا أحرص ما يكونوا على إخوتِهم في الله!!
يتحدث أبو بكر - ومن هو أبو بكر؟ الذي يقول فيه النبيُّ: {لو وزن إيمان هذه الأمة بإيمان أبي بكر لرجحت كفة أبو بكر} (أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وإسحاق بن راهويه في مسنده، والإمام أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة. وأخرجه ابن عدي في الكامل مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ:" لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم") - يتحدث مع نفرٍ من الفقراء في مسجد رسول الله عن أبي سفيان بن حرب بعدما أسلم فقالوا له: إن سيوف الله لم تأخذ مأخذها من عدو الله، فقال أبو بكر: لا تقولوا هذا لشيخ قريش. ليس في حديثهم سبٌّ ولا شتم، وليس في حديثه وردِّه تزيُّد في الرد!!
ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحكى له ما دار - لأنه قلبٌّ حيٌّ متعلق بالحيِّ عزَّ وجلَّ، خشي أن يكون أساء إلى إخوانه فقراء المسلمين - فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر إياك أن تكون أغضبتهم فإن الله عزَّ وجلَّ يغضب لغضبهم) فذهب إليهم الصديق مستعطفًا وقال: يا أخوتاه أأغضبتكم؟ قالوا: لا يا أبا بكر وعفا الله عزَّ وجلَّ عنك.
دين بلغ فيه أن الله يقول لحبيبه ومصطفاه الذي اختاره لرسالته، وأمره بتبليغ شريعته، وأيَّده بعصمته، يقول له: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (28الكهف). كان صلى الله عليه وسلم إذا جالسهم لم يقم من بينهم إلاَّ إذا قالوا له: قد أذنا لك يا رسول الله فاذهب حيث شئت. وإذا صافح أحدهم لم يكن يسحب يده من يده حتى يترك المصافح يده. وإذا احتاجوا إليه في أمر يرسلون إليه الطفل الصغير فيأخذه من يده، ولا يسأله النبي إلى أين!! ولا من الذي أرسلك!! لأنه صلى الله عليه وسلم كما قال فيه ربُّه: (حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (128التوبة).
ألَّف بينهم على هذا الأساس القرآني، وعلى هذا الهدي النبوي. أخرج الدنيا من قلوبهم فلم تكن الدنيا أكبر همِّهم ولا مبلغ علمهم. لم يكونوا طلاب رياسات، ولا راغبين في جمع الدنيا بأي كيفية وأي وسيلة، وإنما كانت رغباتُهم أن يبلِّغوا رسالات الله، وأن يساعدوه في نشر دين الله، ونذروا أنفسهم للدعوة الإسلامية طلباً لمرضاة الله، لا يرجون من وراء ذلك جزاءً ولا شكوراً، وإنما يرجون من وراء ذلك عند الله عزَّ وجلَّ جنة عالية ونوراً وسروراً، وفضلاً كبيرا يوم لقاءه عزَّ وجلَّ في دار جنانه ودار رضوانه. الدنيا يقول فيها النبيُّ: {حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ} (أخرجه بن أبي الدنيا مرسلاً عن الحسن البصري). لو نُزع حبُّ الدنيا من قلوبنا لغلَّقتْ المحاكم أبوابَها، لَمْ نَرَ متنافسين ولا متصارعين، ولا متحاسدين ولا متحاقدين، بل الكل سيسلِّم تسليماً كاملاً لشرع الله، وما يحكم به الله، وما يحكم به العدول في الأمة من رجال الله العلماء العاملين الذين يرجون الحقَّ، ويحكمون بالحقِّ طلباً لمرضاة رب العالمين عزَّ وجلَّ.
حبُّ الدنيا هو سرُّ كل ما نحن فيه. والمخرج؟! لا مخرج لنا إلا إذا أخلصنا العمل لله، فكانت كل أعمالنا، وكل حركاتنا وكل سكناتنا، وكل أقوالنا وكل أفعالنا، ننوي بها وجه الله. لا نقول قولاً لإرضاء فلان ونحن نعلم أنه على غير الحق، لأن هذا يخالف صريح الدين؛ الدين النصيحة. لا أرى متخاصمَين أمامي ثم أُدْعَى إلى الشهادة فأقول: لَمْ أَرَ، مع أنني رأيت وأُنكر الشهادة وأُكتمها!! (وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) (283البقرة)، حتى ولو كانت الخصومة بين أخي وأبي وغيره من المسلمين، فقد قال الله عزَّ وجلَّ في شأن المسلمين السابقين والمعاصرين واللاحقين: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (143البقرة).
جعل الله هذه الأمة شهوداً على الأنبياء السابقين وأممهم لأنها أمة العدالة، أمة إحقاق الحقِّ، أمة يقول فيها الحقُّ في سرِّ اجتبائها على سائر الأمم وخيريتها على سائر الأنام: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، لماذا يا ربّ؟! ( تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) (110آل عمران) . جعل الإيمان بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!! مع أن مقتضى كلامنا مع بعضنا يقتضي أن يسبق الإيمان، لكن كلام الله لحكمة يعلمها مُنَزَلُ القرآن عزَّ وجلَّ، أمة تقول الحقَّ، وتظهر الحقَّ، وتعمل لوجه الله، لا تريد في أي عمل إلاَّ وجه الله، إذا كان قائدًا أو جندياً فهو يعمل لله، إذا كان خادمًا أو رئيسًا فهو يعمل لله.
جاء عمرو بن العاص وخالد بن الوليد بعد صلح الحديبية مُعلنين إسلامهم، فأصدر النبيُّ صلى الله عليه وسلم قرارًا نبويًّا أن يتولى عمرو بن العاص قيادة إحدى الغزوات تسمى غزوة ذات السلاسل، وكان من جنده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. أيُّ رجال هؤلاء؟!! ماتت شهوات نفوسهم ولم يعد يريدون إلا وجه الله عزَّ وجلَّ، وسمى خالد بن الوليد: (سيف الله المسلول)، وقاد خالد أكثر من مائة معركة حربية انتصر فيها جميعًا.
وفي إحدى المعارك مع الروم - وهي معركة اليرموك - وكان المسلمون حوالي أربعين ألفًا والروم حوالي أربعمائة ألف، جاء خطاب العزل من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبو عبيدة بن الجراح أن يتولى قيادة الجند ويعزل خالد ويجرد خالد من جميع رتبه ويرجع جنديًا عاديًا، انظر إلى الرجال قال فيهم الله: (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) (23الأحزاب).
جاء رجل لخالد وقال: يا خالد أرضيت بهذا الأمر؟ قال: نعم، قال: إن كنت رضيت بهذا الأمر فإنا لن نرضى، وإن خلفي مائة ألف سيف ينتصرون لك إن رفضت هذا الأمر، قال: بئس ما أشرت عليَّ به يا أخي، فأنا أقاتل لله، إن كنت قائدًا أقاتل لله، وإن كنت جنديًّا أقاتل لله، فلا يهمُّني هذا ولا ذاك.
هؤلاء الرجال الذين أخرجهم الله من ظلمات الدنيا وشهواتها إلى نور الإيمان وجعلهم في معية النبي العدنان، ما أحوجنا إليهم في هذا الزمان!! رجال يقول فيهم الرحمن: (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ) (54المائدة). ما وصفهم؟ الإخلاص لله، لا ينطق فمه بكلمة إلا إذا تحقق أنها لوجه الله، ولا تتحرك جوارحه بحركة - إن كان في عيادة مريض، أو لتشييع جنازة، أو لقضاء مصلحة لمؤمن، أو لقضاء مصلحة للمجتمع، أو لأي عمل - إلا إذا أخلص النيَّة فيها لله، وكان يبغي بها وجه الله عزَّ وجلَّ.
لو توحَّدت النوايا، وصفت الطوايا، واتجهنا جميعًا إلى الله، وكانت أعمالنا لله، وأقوالنا لله، وحركاتنا وسكناتنا لله، لا لدنيا ولا لمظاهر، ولا لشهرة ولا رياء، ولا لسمعة، ولا لمناصب ولا لمكاسب، في هذا الوقت لن يكون بين المسلمين خلافٌ ولا اختلاف، وإنما سيكونون جميعًا رجلاً واحدًا؛ لأن النية كلها لوجه الله.
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يوحِّد جمعنا، وأن يلمَّ صفوفنا، وأن يجعل نياتنا كلها لوجهه عزَّ وجلَّ قال صلى الله عليه وسلم:
{طوبى للمخلصين أولئك مصابيح الهدى تنجلي عنهم كل فتنة ظلماء} (رواه ابن أبي الدنيا عن ثوبان رضي الله عنه)، وتمر عليهم الفتن كقطع الليل المظلم، وهم منها في عافية، يعيشون في عافية، ويموتون في عافية، ويحشرون يوم القيامة في جنة عالية.
وقال صلى الله عليه وسلم : (التائب حبيب الرحمن والتائب من الذنب كمن لا ذنب له) (الطبراني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه)، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة .
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين الذي أحيانا بنور الإيمان وجعلنا من عباده المؤمنين، ونسأله عزَّ وجلَّ أن يثبتنا على ذلك حتى يتوفانا مسلمين ويلحقنا بالصالحين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يحقُّ الحقَّ ويبطل الباطل ولو كره المجرمون. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله الصادق الوعد الأمين.
اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا محمد واجعلنا في هذه الحياة الدنيا على شرعه مجتمعين، وعلى العمل بسنته مؤتلفين، وانزع الخلاف والإتلاف من نفوسنا ونفوس إخواننا المسلمين أجمعين.
أيها الأخوة جماعة المؤمنين
إن أوجب الواجبات على كل مسلم في هذا الوقت العصيب: الحرص على وحدة الشمل، على جمع الصف، على عدم الفُرقة بين المسلمين، على عدم إثارة الخلافات والمنازعات بين الموحدين، أن نكون كما قال الله عزَّ وجلَّ في ألسنتنا أجمعين: ﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ ﴾ (24الحج)
لا نقول لإخواننا إلا خيراً، ولا نقول في حقِّهم إلا برًّا، لا نغتاب أحداً من المسلمين فإن صغير المسلمين عند الله عظيم، ولا نحقر واحداً من المؤمنين فربما يكون له شأن كبير عند أكرم الأكرمين، لأنه يقول في قرآنه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (13الحجرات)
نظن بإخواننا المؤمنين أجمعين الخير كل الخير، لأن الله عزَّ وجلَّ لم يطلعنا على قلوبهم، والأعمال بالنيَّات، والمكافأة عند الله بالسرائر الطيبات، وما دمنا لم نطلع على الأسرار فكيف نحكم على إنسان لم نَرَ معاصيه أنه من الأشرار، أو بأنه من الفجار؟! لسانه ينطق بالتوحيد وأحكم عليه أنه من الكفار!! لا يليق هذا بأي مسلم يؤمن بالله ويتابع حبيب الله ومصطفاه.
كفُّوا عن التنفير، واجمعوا المسلمين، وليكن لنا أسوة في الرحمة العظمى للخلق أجمعين، يجب أن يكون المسلمين فيما بينهم متراحمين، فإن الله عزَّ وجلَّ يجيب كل دعاء إلا نزول الرحمة، كيف تنزل الرحمة من الله علينا؟ قال صلى الله عليه وسلم في ذلك: {ارْحَمُوا مَنْ فِي الأرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ}(سنن الترمذي والبيهقي)
نحن في حاجة إلى صحوة أخلاقية، فالحمد لله كلُّنا يؤدي العبادات، لكن نحتاج إلى صحوة أخلاقية تطابق فيها أخلاقنا أخلاق كتاب الله وأخلاق حبيب الله ومصطفاه، حتى نكون محسنين إلى هذا الدين، ونحسن عَرْضَه على العالم أجمع، فإننا نعرض الإسلام على غيرنا بأخلاقنا، وليس بصلاتنا وصيامنا وعباداتنا، فصلاتنا وصيامنا وعباداتنا بيننا وبين الله، لكن الخلق ينظرون إلينا الآن، فقد تفرق جمعنا، وقد أخذنا نسبُّ في بعضنا، ونشتم كبارنا ولا نرحم صغارنا، والكل يتوعد أخيه، والكل يجهز السلاح، ويستعد للضغط على الزناد ليميت أخاه، وكأن هذا جهاد لليهود، وكأن هذا جهاد للكافرين!! أصبح الجهاد بين المسلمين والمسلمين!! بين المؤمنين والمؤمنين!! لا أتصور كيف لقلب خالط بشاشة الإيمان تطاوعه يده أن يمسك سكيناً فيضرب به أهل الإيمان؟!! أو يدوس على زناد فيقتل رجلاً يصلي لربِّ العالمين، بحجة أنه على خلاف فيما بينه وبينه؟!!
أي خلاف هذا؟!! خلاف سياسي؟!! خلاف حتى ولو كان شرعي؟!! يجب أن تحتكم إلى من فوقك من الفقهاء، وتذهبا سويًّا إلى من هو أعلى منكما من العلماء. لكن ما هكذا أمرنا الله ولا طلب منا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم في المؤمن إذا سابَّ أخاه ورد عليه: {الْمُسْتَبَّانِ شَيْطَانَانِ، يَتَهَاذَيَانِ وَيَتَكَاذَبَانِ} (مسند الإمام أحمد عن عياض بن حمار).
وقال في المؤمنين إذا رفع أحدهما السلاح على أخيه: {إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ}
لا ينبغي حتى لمسلم أن يقول كلمة لأخيه المؤمن يؤذيه بها، أو يعيِّبُه بين الخلق بها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: {مَنْ أَشَاعَ عَلَى امْرِئٍ مُسْلِمٍ كَلِمَةَ بَاطِلٍ لِيُشِينَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُذِيبَهُ بِهَا مِنَ النَّارِ حَتَّى يَأْتِيَ بِنَفَاذِهَا} (الطبراني والجامع في الحديث لابن وهب عن أبي الدرداء رضي الله عنه)
لأنه يقول كلمة يعلم علم اليقين أن أخاه بريء منها، ولكنها تُهمة فاشية دفعته إليها النفس الإبليسية من أجل أن يسيء إلى أخيه بين الخلق، أو يشنع عليه بين الناس. بئس هذه الصفات، وبئس هذه الأخلاق، فإن المؤمنين يقول فيهم سيد الأولين والآخرين: {مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ. إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى} (البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما)
نريد أن ترجع بيننا الألفة والمودَّة، أن تمتلئ قلوبنا بالحبِّ لجميع الأحبة، أن تكون نياتنا كلها خالصة ومخلصة لله عزَّ وجلَّ، حتى يزيح الله عنا هذه الغمَّة، ويجمع شملنا، ولا يُشمت الكافرين واليهود ومن عاونهم فينا، ويجعلنا في خير حال.
اللهم ألِّفْ بين قلوب عبادك المؤمنين. اللهم خُذْ على ناصية الكافرين والفاسقين والمتآمرين على هذا البلد أجمعين يا أحكم العادلين.
اللهم وحِّد جمعنا، اللهم قوِّ حبَّنا في بعضنا، اللهم أزل الشحناء والبغضاء والتنافس في الفاني من صدورنا.
اللهم اجعل همَّنا أجمعين في رضاك، وارزقنا الإخلاص في النوايا، والصدق في الأقوال، وإتباع النبيَّ وشرعه في الأعمال، واحفظنا من الخلاف والاختلاف في كل الأحوال يا ربَّ العالمين.
اللهم أصلح شئوننا، حكامًا ومحكومين، رؤساء ومرءوسين، رجالاً ونساءً، أطفالاً وشِيبًا، واجعلنا دائمًا وأبدًا في ألفة ووئام يا أكرم الأكرمين.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعوات يا ربَّ العالمين.
اللهم أهلك الكافرين بالكافرين، وأوقع الظالمين في الظالمين، وأخرج المسلمين من بينهم سالمين غانمين آمنين، وأهل أرض مصر بلد السلام والأمن والخير والبركة إلى يوم الدين، يا أكرم الأكرمين.
عباد الله: اتقوا الله، (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (90النحل).
اذكروا الله يذكركم، واستغفروه يغفر لكم، وأقم الصلاة