الثلاثاء، 23 يناير 2018

الشكر لله على النعم الظاهرة والباطنة

  1. (الشكر لله على النعم الظاهرة والباطنة)
    (خطبة الجمعة - بنها - مسجد عبدالمنعم رياض - 6 من ربيع الأول 1434 هـ 18/1/2013م)
    --------------------------------------------------------------------------------------------
    الحمد لله رب العالمين، نحمدك الله ونشكرك على نعمك الوافرة، وآلائك الباهرة، حمداً يوافى نعمك ويكافئ مزيدك
    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده له لا شريك له، نعمه لنا وفينا وعلينا لا تُعد ولا تُحد،
    وآلاؤه التي بسطها إلينا ظاهرة وباطنة لا يحيط ببعضها أحد:
    (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا)
    (34 - إبراهيم)
    وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، النعمة التامة التي أسبغها الله عزَّ وجلَّ علينا أجمعين،
    والهداية الخاصة التي خصّنا الله بها نحن عباده المؤمنين،
    والرحمة العُظمى الكاملة للأولين والآخرين وللخلق أجمعين في الدنيا ويوم الدين
    اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد الذي جعلته لنا في الدنيا أسوة طيبة وقدوة حسنة،
    وجعلته في الآخرة شفيعاً لنا وللخلق أجمعين،
    صلِّ اللهم وبارك عليه ووفقنا للهدى القويم الذي جاء به، واسلك بنا على الصراط المستقيم الذي بعثته من أجله،
    واحشرنا يوم القيامة أجمعين تحت لواء شفاعته، واجعلنا في الجنة من أهل جواره أجمعين
    آمين .. آمين يا رب العالمين.
    أما بعد فيا أيها الإخوة جماعة المؤمنين:
    علَّمنا دِينُنَا الحنيف، وشرعُنا الكريم، ونبيُّنا الرءوف الرحيم صلوات ربى وتسليماته عليه
    أن من أسدى إلينا معروفا أو قدَّم لنا جميلاً، أو آتانا بهدية، لا بد وأن نشكره على هذا العطاء - ولو بالدعاء،
    قال صلى الله عليه وسلم في ذلك:
    { مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ }
    (سنن أبي داود والنسائي ومسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر )
    وقال رب العزّة عزَّ وجلَّ - مبيناً عدم رضاءه عن الجاحدين الذين لا يشكرون الخلق على ما قدموه من أجلهم
    من نعمٍ أوخدمات أو برٍ أو معروف:
    { لَمْ تَشْكُرْنِي إِذْ لَمْ تَشْكُرْ مَنْ أَجْرَيْتُ ذَلِكَ عَلَى يَدَيْهِ}
    (الطبراني عن عائشة رضي الله عنها)
    وقال تعالى:
    (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)
    (14- لقمان)
    فالخالق هو الله، لكن السبب في الإيجاد هما الوالدين، ولذا أمرنا الله أن نشكر لله،
    ونشكر للسبب الذي به أوجدنا في هذه الحياة،
    فنشكر الله لأنه مُسبب الأسباب، ونشكر الأسباب لأنها السبب المباشر الذي على يديه أكرمنا الكريم الوهاب عزَّ وجلَّ.
    وإذا كان الله عزَّ وجلَّ قدَّم لنا نعماً لا تُعد ولاتُحد، نعماً لا نستطيع حصرها
    السمع، والبصر، والنطق، والحياة، والقوة، والعلم، والإرادة، ونعم لا تُعد في الإنسان!! يقول لنا فيها الرحمن:
    (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ)
    (21-الذاريات)
    وجعل لنا نعماً حولنا في الأكوان، وفي السماوات وما فيها من نجوم وكواكب سيارات،
    وملائكة يجعلهم الله في خدمتنا في كل الأوقات، والأرض وما عليها من أصناف النبات وأنواع الحيوانات،
    والبحار وما فيها من خيرات، وباطن الأرض وما فيه من معادن لا يعلمها إلا الخالق عزَّ وجلَّ،
    غير الشمس والهواء وغيرها من النعم التي يعجز الإنسان عن عدِّها وحصرها،
    وفيها يقول الله عزَّ وجلَّ:
    (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)
    (53- فصلت)
    النعم التي فينا، والنعم التي لنا، والنعم التي حولنا كلها نعمٌ ظاهرة، يتمتع بها المؤمن وغير المؤمن،
    والكافر والمشرك والجاحد يتمتع بكل هذه الخيرات، ويحظى بكل هذه المبرات،
    لكن أهل الإيمان جعل الله لهم نعماً باطنة أعلى وأعظم في المقدار من كل ما أشار إليه الواحد القهار!!!
    وهي نعمة الإيمان، ونعمة الهداية، ونعمة العناية الإلهية بإختيارنا مسلمين،
    ونعمة التوفيق لنا بطاعته في كل وقت وحين، ونعمة حفظنا من المعاصي والفتن،
    ونعمة رعايتنا في هذه الحياة، ونعمة القرآن وهى أعلى النعم عند حضرة الرحمن.
    وسبب كل هذه النعم الباطنة كلها هو النبي الكريم والرءوف الرحيم الذي على يديه فزنا وحظينا بهذا التكريم
    ولذا يقول الإمام الشافعى رضي الله عنه:
    (أصبحنا وما بنا من نعمة ظاهرة أو باطنة، إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم سببها وهو الذي أوصلها إلينا)
    وهو الذي قال لنا فيه الله:
    (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا)
    (34- إبراهيم)
    لم يقل: (وإن تعدوا نعم الله)، ولكنه قال: (نِعْمَتَ اللّهِ) نعمة واحدة!!!
    وهى نعمة من حضرة الألوهية، أما النعم الظاهرة فهي من حضرة الربوبية التي تغمر الخلق أجمعين
    بيَّن الله هذه النعمة فقال:
    (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا)
    (103- آل عمران)
    النعمة التي ألَّفت بين القلوب، والتي طهَّر الله بها القلوب،
    والتي ملأت القلوب بالإيمان، والحياء والإستحياء، والخوف ومراقبة علام الغيوب،
    والتي أنزلت على قلوبنا كلام الله عزَّ وجلَّ وتلته على أسماعنا فآمنا به وزدنا إيماناً بمُنَزِّله عزَّ وجلَّ.
    وهو الذي عرَّفنا بالله، وعرَّفنا بالغيوب، عرَّفنا بالجنة، وعرَّفنا بالنار، وعرَّفنا بملكوت السماوات والأرض،
    وعرَّفنا بما ينبغى لنا معرفته ليتحقق فينا ومنا صريح الإيمان
    هذه النعمة هي النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
    كيف نشكر الله عزَّ وجلَّ على نعمه؟!!
    أما النعم التي فينا: فشكره عليها هي الصلوات الخمس،
    فنشكر الله على ما فينا من سمع وبصر وقلب وأعضاء
    بأن نُسخِّر هذه الأعضاء لتركع وتسجد بين يدى الخالق في اليوم خمس مرات شكراً لله على هذه النعمة،
    وهي نعمة الحياة ونعمة هذه الأعضاء.
    وأما النعم التي في الأكوان: فشكرها بأننا نُعطي للمستحقين إذا وسَّع الله علينا في الخيرات،
    فننفق مما آتانا الله، ونعطي الفقراء الذين جعلهم الله عزَّ وجلَّ اختباراً لنا في هذه الحياة،
    اختبرنا بالغنى واختبرهم بالفقر، لينظر إلى الغني ماذا يصنع تجاه الفقير،
    وينظر للفقير كيف حاله عند قضاء الله له بالأرزاق، هل يرضى بما قضى الله ويشكره ويستزيده من عنده؟
    أم يلجأ إلى الحيل الشيطانية والأوهام النفسانية ويخالف الشريعة الإلهية فيستحق العذاب من الله عزَّ وجلَّ؟
    لكن كيف نشكر الله على أهم وأجل نعمة وهي نعمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!!!
    وقد قال صلوات ربى وتسليماته عليه:
    { أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا، وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أَيِسُوا،
    لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي وَلا فَخْر }
    (سنن الترمذي والدارمي ومسند الإمام أحمد عن أنس)
    أو كما قال:
    { ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة }
    ------------------------------------
    يتبع إن شاء الله
  2. #15
    عضو مسجل
    تاريخ التسجيل
    Oct 2011
    الدولة
    بورسعيد - مصر
    المشاركات
    1,597
    تابع: (الشكر لله على النعم الظاهرة والباطنة)
    -----------------------------------
    الخطبة الثانية
    ------------------
    الحمد لله رب العالمين الذي أكرمنا وكرَّمنا وجعلنا من عباده المكرمين
    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يهتز بها وجدان القلب، ويلهج بها اللسان في كل وقت وحين
    وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله الصادق الوعد الأمين
    اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وحُفَّنا برحمته، واجعلنا دائماً سالكين في طريق هدايته
    واحشرنا يوم القيامة في زمرته، واجعلنا ممن يحظى بشربة هنيئة من حوضه
    ويفوز بالشفاعة منه عند ربه، ويحظى بالسكون في جواره
    والسكن في جواره في جنة الخلد عند ربِّه
    آمين .. آمين يارب العالمين.
    أيها الإخوة جماعة المؤمنين:
    ينبغي لكل عبد مؤمن في هذه الأيام أن يشكر الله على بعثة نبي الختام،
    وهذا الأمر لا نستطيع سرده ولا عدَّ بنوده، ولكن يكفينا على قدرنا روشتة سهلة لجميعنا،
    • إما أن نشكره كما شكر هو الله عزَّ وجلَّ على بعثته ورسالته،
    فكان يشكر الله كل أسبوع على بعثته، فكان صلى الله عليه وسلم يصوم يوم الاثنين من كل أسبوع،
    ولما سُئل في ذلك، فقال صوات ربى وتسليمه عليه:
    {ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ}
    (رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي قتادة)
    يشكر الله عزَّ وجلَّ على إيجاده في الأكوان، وعلى إختياره نبياً لخير أمة في آخر الزمان
    بصيام يوم الاثنين من كل أسبوعٍ لله عزَّ وجلَّ
    فمن فعل ذلك وصام يوماً بنية الشكر لله على بعثة رسول الله ، دخل في قول الله جلّ في عُلاه:
    (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ)
    (7- إبراهيم)
    فيكون من الشاكرين الذين لهم مزيدٌ من الهداية، ومزيدٌ من النور، ومزيدٌ من التوفيق،
    ومزيدٌ من الرعاية من ربِّ العالمين في الدنيا، ومزيدٌ من الفوز والنجاح والفلاح في الدار الآخرة.
    • أو يشكر الله عزَّ وجلَّ على بعثة رسول الله كما أمرنا الله،
    فإن الله أمرنا في كتاب الله أن نشكره على بعثة هذا النبي،
    وبيَّن لنا بأبلغ بيان في القرآن أن النبيَّ لا يحتاج إلى هذا الشكر منا، لأن الله أغناه بما يفيئه عليه،
    وبما وظفَّ الملائكة في العمل النافع له لديه، فقال عز شأنه:
    (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)
    ومادام الله يصلي عليه فهل يحتاج إلى صلاة الخلق؟
    لكن الله والملائكة يصلون عليه، ثم قال الحق آمراً لنا عزَّ وجلَّ حرصاً علينا ولنفعنا ورفعنا:
    (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
    (56- الأحزاب)
    أمرنا أن نصلي عليه صلوات ربّى وتسليماته عليه،
    وإذا كان أى إنسان مهما كانت تقواه وقربه من الله لن يدخل الجنة بعمله،
    لن يدخل الجنة إلا بعفو الله، وبرحمة الله، وبشفاعة رسول الله ، لقوله صلى الله عليه وسلم:
    {لا يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلا أَنَا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ، وَفَضْلٍ}
    (البخاري ومسلم وسنن ابن ماجة عن أبي هريرة)
    لأن العمل يحتاج إلى القبول، وكلنا يجهل عاقبة الأعمال، هل تقبلها الله منا أو ردّها؟ مع أننا نُحسن الظن بالله عزَّ وجلَّ ..
    لكن الذي نحتاج إليه على اليقين هو شفاعة سيد الأولين والآخرين، لأن الله قال له - وأعلمنا بذلك في كتابه المبين:
    (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)
    (5- الضحى)
    سيُعطيه الله ما يتمناه، وما يطلبه، وما يريده من الله حتى يلقاه، حتى قال سيدنا جعفر الصادق رضي الله عنه:
    ولن يرضى صلوات ربّى وتسليماته عليه وواحدٌ من أمته في النار)
    يظلّ يشفع له حتى ينقذه من النار!!!
    = فنحتاج إلى الشفاعة ... وما العربون الذي ندفعه لهذه الشفاعة، لكى نحظى بهذه الدرجة الكريمة ونكون من أهل هذه الطاعة؟
    قال صلى الله عليه وسلم:
    {مَنْ صَلَّى عَلَيَّ حِينَ يُصْبِحُ عَشْراًً وَحِينَ يُمْسِي عَشْرًا أَدْرَكَتْهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ}
    (الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء)
    أمرٌ سهلٌ ويسير ... وهو أن يصلى الإنسان على سيد الخلق عشراً صباحاً وعشراً مساءاً،
    ولا تحتاج إلى مسجد، ولا تحتاج إلى وضوء، ولا تحتاج إلى الإتجاه إلى القبلة، يستطيع الإنسان أن يصليها في أى زمان ومكان،
    المهم أن يوفقه الرحمن ليُديم على ذلك حتى يلقى الله، لقوله صلى الله عليه وسلم:
    {أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ}
    (رواه مسلم وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها)
    فالسعيد من وفَّقه الله بالصلاة على حبيب الله ومصطفاه صباحاً ومساءاً حتى يلقى الله فيحظى بالشفاعة العُظمى يوم الجمع الأعظم،
    ويكون داخلاً الجنة بشفاعة رسول الله.
    = أما من يريد أن يكون بجواره في الدار الآخرة، وأن يكون بجواره في مقامه في جنة النعيم،
    فهذا عليه في هذه الأيام وغيرها أن يقتدي بهديه، وأن يقتفي أثره في أخلاقه، وأن يتشبه به في كل أوصافه
    حتى يكون صورة مُصغرة من الحبيب في هديه وسمته، فقد قال صلى الله عليه وسلم:
    إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ، وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ }
    (الطبراني والبيهقي عن جابر بن عبد الله)
    فيراجع المرء نفسه في هذه الأيام على أخلاق الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتمّ السلام،
    ولو كل يومٍ يراجع خُلقاً من أخلاق حضرته ويُراجع بصدقٍ مع نفسه هذا الخُلق الكريم،
    * فإذا كان فظاً غليظاً في التعامل مع غيره، نظر إلى قول الله في حبيبه:
    (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ)
    (159- آل عمران)
    فيجاهد نفسه لمحو الفظاظة والغلظة من عنده، ويجاهد نفسه ليتشبّه بالحبيب في شفقته ورقته ورحمته بالخلق أجمعين،
    * وإذا كان شديداً في معاملته لأهله وذويه يقيس نفسه بأخلاق الحبيب:
    {خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي}
    (ابن حبان والترمذي عن عائشة رضي الله عنها)
    فيُغير هذا الخُلُق، ويُغير هذا الطبع، ويجاهد نفسه للتطبع والتخلق بأخلاق حبيب الله ومصطفاه، ليحظى بالشرف العظيم،
    وأن يكون يوم القيامة في الموقف العظيم في جواره وفى الجنة من الأخيار الأطهار الذين يُسكنهم الله عزَّ وجلَّ في جواره
    هذا نذرٌ يسير في كيفية شكر الله عزَّ وجلَّ على البشير النذير والسراج المنير.
    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلمّ

بشريات النبوة لأهل هذا الزمان

الحمد لله رب العالمين .. الحمد له الذي تولانا بعنايته، ونظر لنا أمة الحبيب برعايته، 
وجعلنا في الدنيا موضع قربه ومودته، وجعلنا في الآخرة - كما وعدنا - أسبق الناس إلى جنته.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يُدبر فيُحكم التدبير، ويُقدر فيُحكم التقدير، ولا يُطلع على تدبيره ولا تقديره أحداً، 
لكنه أعلمنا بأن تدبيره وتقديره لنا لطفٌ وخيرٌ دائم، فهو بالمؤمنين لطيف وخبير.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، النبيُّ الصفيّ، التقيُّ النقي، الذي أخبرنا الله أنه أولى بنا من آبائنا وأمهاتنا وأنفسنا، 
وأشفق علينا وأحنى علينا وأرحم بنا من كل شيء في هذه الحياة الدنيا،لأنه كما قال فيه ربه:
(بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (128- التوبة)
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد واثبتنا جميعاً في أهل شفاعته، وضُمنا جميعاً في كشوف المصاحبين له في جنتك، 
واجعلنا أجمعين من المشمولين بدعوته لأمته في آخر الزمان، حتى نعيش أيامنا في الدنيا في خير واطمئنان، 
ونخرج إليك في أبهى الشوق يا رحمن.
صلِّ الله وسلم وبارك على هذا النبيِّ سيدنا محمد وآله وصحبه، وكل من التف حوله، ومشى على هديه إلى يوم الدين، 
وعلينا معهم أجمعين ... آمين .. آمين .. يارب العالمين
إخواني جماعة المؤمنين:
كلنا يتابع الفضائيات والإذاعات، والصحف بمختلف أنواعها والمجلات، وبعضنا يتابع النت، 
ومن شدة شغفه بمعرفة الأخبار يشترك بتليفونه المحمول لتصل إليه الرسائل ليل نهار، 
حتى صرنا جميعاً في حيرة، وكثير من الأُمة أصابها الإحباط، والبعض أصابه الاكتئاب، والكل يقول: 
بعد أيام لن نجد رغيف عيش نأكله، وبعد حين من الدهر لن نجد في الأسواق شيئاً نشتريه! 
لِما تحمله لنا الأخبار بتعقيدها وتهويلها من أخبار!!!
وأنا ألوم إخواني جميعاً، هلا طالعتم أخبار هذا الزمان في أحاديث سيد ولد عدنان؟!!!
لقد جرى نهج المسلمين في كل زمان ومكان، إذا حيرتهم أفكار المتحدثين والكاتبين والمشنعين والمهولين 
أن يرجعوا إلى أحاديث سيد الأولين والآخرين التي تتحدث عن هذه الفترة من الزمان، 
ليعلموا قدر هذه الأمة عند حضرة الرحمن، وعناية الله لها في كل وقت وآن.
أبشروا أمة الحبيب، فإن الله جعل لنا نبيًّا – صلوا عليه وسلموا تسليما – كان حريصاً على الأمة حرصاً بالغاً في دنياها إلى يوم الدين، 
وفي أخراها في الموقف العظيم والحساب حتى يطمئن عليهم في جنة النعيم.
فأما الآخرة: فكان لا يكف عن الدعاء، ويطيل في الصلاة ويقول: 
يارب أمتي أمتي، وقرأ قول الله عزَّ وجلَّ عن نبيِّ الله إبراهيم لأمته - والأنبياء جميعا حريصون على أمممهم:
(رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (36 - إبراهيم) 
يطلب من الله أن يغفر لهم، وقول الله في شأن عيسى بن مريم مع أمته:
(إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (118 - المائدة) 
فأخذ يضرع إلى الله، ورَفَعَ يَدَيْه ِوَقَالَ:
اللَّهُمَّ، أُمَّتِي .. أُمَّتِي، وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟
فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ،
فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلا نَسُوؤُكَ
 }
(مسلم وبن حبان عن عبد الله بن عمرو) 
ولكنه لم ينته عن ضراعته، ولم يكف عن دعاءه لمولاه، حتى أراحه اله فأنزل له في شأننا في كتاب الله:
(وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) (5 - الضحى) 
وبعد نزول هذه الآية اجتمع أصحاب حضرة النبي في مسجده المبارك، وعملوا حفلاً فاخراً، 
فرحاً بفضل الله، وبمنة الله التي أنزلها لهم على حبيبه ومصطفاه، 
منهم من خطب موضحاً قدر هذه المنة، 
ومنهم وهو حسان بن ثابت الذي عبَّر عن رأيه في هذه المنة - بكلام حكيم من الشعر فقال:
سمعنا في الضحى (ولسوف يعطي) *** فَسَرَّ قلوبَنا ذاك العطاءُ
وكيف يا رســـول الله ترضـى *** وفينا من يُعذَّبُ أو يساءُ

لن يرضى وواحد من أمته في النار، حتى يشفع له إلى الله، ويستنقذه بعفو من الله، ويُخرجه ويُدخله الجنة، 
ويطمئن على أمته أجمعين.
أما في الدنيا: فقد كان صلى الله عليه وسلم يُصلي تارة بالليل، وتارة بالنهار، وتارة في الضحى، وتارة في المساء، 
وتارة في جوف الليل، ويطيل الصلاة، ويدعو الله جل في علاه، فيسأله صَحبه: ما هذا يا رسول الله؟ وما هذه الصلاة؟ فيقول:
{إِنِّي صَلَّيْتُ صَلاةَ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ}
(صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص)
ويدعو لأهل هذه الأمة في الصلاة، بماذا دعا؟!! قال صلى الله عليه وسلم:
إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا،
وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ
-أى الذهب والفضة- 
وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَنْ لا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ،
وَأَنْ لا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ
 - أى جماعتهم - 
وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ: إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لأُمَّتِكَ أَنْ لا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ،
وَأَنْ لا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا،
أَوَ قَالَ: مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا
}
(صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي عن ثوبان بن يجدد)
أبشروا فليس هناك مجاعة ولا قحط مهما اشتد الغلاء، ومهما زاد الوباء، ببشرى السماء لسيِّد الرسل والأنبياء صلى الله عليه وسلم، 
ولن يسلط الله علينا عدواً من سوى أنفسنا، مهما كثر أعدائنا، 
ولكنه منع عنه واحدة وهي أن يكون بأسنا بيننا شديد.
وتعددت الدعوات بعد ذلك، يقول صلى الله عليه وسلم:
سَأَلْتُ اللَّهَ ثَلاثًا، فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ، وَزَوَى عَنِّي وَاحِدَةً،
سَأَلْتُهُ أَنْ لا يَبْعَثَ عَلَى أُمَّتِي عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَجْتَاحَهُمْ، فَأَعْطَانِيهِ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يَبْعَثَ عَلَيْهِمْ سَنَةً تَقْتُلُهُمْ جُوعًا، فَأَعْطَانِيهِ،
وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ، فَرَدَّهَا عَلَيَّ
}
(مسند الإمام أحمد وصحيح بن خزيمة عن معاذ بن جبل)
يسأل الله ثلاثاً، فيستجيب الله اثنتين ويبقى واحدة، يسأل الله أربعاً، فيستجيب الله ثلاثاً وتبقى واحدة، 
والواحدة في كل الأحاديث هي الواحدة: (أن لا يجعل الله بأسهم بينهم)
فقد كفانا الله عزَّ وجلَّ كلَّ همٍّ نحمله في هذا الزمان، وكل معضلة نشك في حصولها أو نتوقع وقوعها في هذا الوقت والآن، 
فلن يستطيع أهل الكفر - وإن اجتمعوا - أن يتغلبوا علينا، لأن هذا وعد الله عزَّ وجلَّ، 
ولن يستطيع أهل الشرك - مهما حاصرونا - أن يقضوا علينا بالجوع، ومهما حاصرونا بالحروب المائية أن يمنعوا عنا قطر السماء، 
بل كل مسلم معه مفتاح يأتي بالماء، إذا صلى ركعتين لله سُنَّة الاستسقاء، فإن الله عزَّ وجلَّ يُغيثه بالماء 
في أى موضع من أرض الله، وتلك سُنَّة الله عزَّ وجلَّ التي لا تتخلف.
لكن المشكلة التي حدَّدها لنا النبيُّ في هذا الزمان هي: الفرقة، وأن يكون بأسنا شديد، 
الخلافات بين الإخوة المؤمنين، والتنافس في الحطام الداني، والتنافس في الرئاسات، والتنافس في الانتخابات، 
والتنافس في الإمساك برؤس الأموال للسيطرة على الحياة الاقتصادية،
والرغبة في الإحتكار، والاحتكار منهي عنه في شرع النبي المختار، وقال فيه صلى الله عليه وسلم:
مَنِ احْتَكَرَ، فَهُوَ خَاطِئٌ }
(صحيح مسلم وسنن الترمذي وأبي داود عن معمر بن أبي معمر )
أى أنه أخطأ طريق الجنة!!
فمن معهم مال ويشترون الدولارات من السوق ليحتكروها ويُغلون على خلق الله فقد أخطأوا طريق جنة الله، 
ومن يخبئون الأقوات ليعلوا سعرها، وليسيطروا على سوقها ويكسبون أضعافاً مضاعفة من ثمنها فقد أخطأوا طريق الجنة، 
ومن يريدوا أن ينفردوا بالاستيراد حتى يتحكموا في السوق ويُغلوا الأسعار كما يريدون فقد أخطأوا طريق الجنة. 
وهذا ليس نهج المؤمنين، ولا سبيل المسلمين، بل هو باب حرَّمه الله، 
ونوَّه عنه بأحاديثه الصريحة سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم.
فالفُرقة هي: الداء الوحيد الذي حذرنا منه في هذا الزمان، 
ولذا ينبغي على كل مسلم حريص على دينه، حريص على وطنه، حريص على بلده، حريص على إخوانه المؤمنين، 
أن يمد يده لإخوانه المؤمنين لنجتمع جميعاً على كلمة سواء، ونجتمع على الأصول التي أنزلها لنا الله، 
ثم بعد ذلك نترك الخلافات إلى حين، حتى يُصلح الله شأننا، ويُذهب الله المشكلات من مجتمعنا، 
ثم بعد ذلك نجلس سوياً لنصل إلى كلمة سواء، توحد صفوفنا في الأراء التي نفترق فيها، 
وفي الخلافات التي يشتد الرأى فيها، 
لأنها كلها خلافات على أشخاص، وليست خلافات على كتاب الله، ولا على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم 
قال صلى الله عليه وسلم:
{َيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ لا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ أَعَزُّ مِنْ ثَلاثٍ: دِرْهَمٌ حَلالٌ، أَوْ أَخٌ يُسْتَأْنَسُ بِهِ، أَوْ سَنَةٌ يُعْمَلُ بِهَا}
(الطبراني عن حذيفة بن اليمان)
أو كما قال: {ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة }
-------------

الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، الذي والانا بفضله، وأكرمنا بوسعة دينه، وجعلنا جميعاً من أهل شرعه ودينه
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عليه وحده صلاح الأحوال، وجمع القلوب، 
وتفريق المنافقين والمشتتين والمفرقين، لأنه وحده على كل شيء قدير.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، إمام الهدى، وكاشف الرَدَى، 
وشمس الدُجى التي تسطع في القلوب، فترفع عنها كل غم وكل رين وكل أذى.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على هذا النبي، واعطنا الخير، وادفع عنا الشر، ونجنا واشفنا 
وانصرنا على أنفسنا وعلى أعدائنا يارب العالمين.
إخواني جماعة المؤمنين:
وضع الله عزَّ وجلَّ في قرآنه الكريم قاعدة قرآنية لأمة النبي 
إذا مشوا عليها لن يعذبهم الله في الدنيا بزلازل، ولا بخسف، ولا بمسخ، ولا بقذف، 
ولا بجوع، ولا بقحط، ولا بعدو من سوى أنفسهم إذا ساروا على هذه القاعدة، 
ما هذه القاعدة؟
(وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)
(33 - الأنفال)
علينا في هذه الآنات أمرين اثنين - دروع واقية أنزلها لنا الله تُحصننا من فتن هذا الزمان، 
وتجعلنا وإخواننا وأهل بلدنا جميعاً في أمان:
الدرع الأول: أن نعمل بشريعة النبي العدنان .. (وَأَنتَ فِيهِمْ)بشريعتك وسنتك وسيرتك وأوصافك الكريمة،
فإذا عملنا بشرع الله وحكَّمناه فزنا جميعاً بتوفيق الله ورعاية الله عزَّ وجلَّ.
الدرع الثاني: لزوم الاستغفار، أن نداوم على الاستغفار لله عزَّ وجلَّ، 
والاستغفار يقول الله في روشتته في كتاب الله مبيناً فوائده لعباد الله:
(اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا)
(10- نوح) 
يضمن النجاة في الآخرة لأنه يغفر للمستغفرين، 
وفي الدنيا حاجات الإنسان، إما لمال، وإما لولد، وإما لمطر من السماء،
وإما لمعيشة طيبة تتوق إليها نفوسنا جميعاً نكون فيها في خير حال،
وذلك كله بابه وكنزه الاستغفار:
(يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا
(11، 12- نوح) 
وماذا وراء ذلك من الدنيا؟!.
بالإضافة إلى أنه إذا نظرت إلى قول الله: (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ
إذا جاء المدد مع المال كان فيه البركة، فالقليل يُغني عن الكثير، 
وإذا جاء المدد مع الولد كان باراً بأبيه، مطيعاً له في كل الأحوال، لا يغيظه، ولا يشق عصا الطاعة عليه، 
ولا يهجره، ولا يتركه، ولا يجفوه لأنه جاء مدداً من الله عزَّ وجلَّ لهذا العبد المؤمن، 
ولذا أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وقال:
مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ }
(سنن أبي داود وابن ماجة ومسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عباس) 
ولزم أى داوم على الاستغفار، ألسنا جميعاً في همٍ الآن؟! ألسنا جميعاً في ضيقٍ الآن؟! 
لِمَ لا نلجأ إلى الله ونستغفر الله؟! وقد كان الحبيب المجاب الدعاء يقول:
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّة }
(صحيح مسلم وسنن أبي داود ومسند الإمام أحمد عن الأغر المزني)
النبي يستغفر إلى الله في اليوم مائة مرة، ونحن لا نُحرك اللسان بالاستغفار ولو مرة!! 
والاستغفار لا يحتاج ضرورة إلى وضوء، ولا إلى التواجد في المسجد، ولا إلى الإتجاه للقبلة، 
فيجوز أن أستغفر وأنا أسير في الطريق، أو وأنا في المواصلات، أو وأنا مضطجع أستعد للنوم، 
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيمن يستغفر عند النوم:
مَنْ قَالَ حِينَ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ
غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ وَرَقِ الشَّجَرِ،
وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ رَمْلِ عَالِجٍ وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا
 }
(سنن الترمذي ومسند الإمام احمد عن أبي سعيد الخدري)
لماذا لا تختم صحيفة يومك بالاستغفار للعزيز الغفار عزَّ وجلَّ؟! 
نحن يا أمة الحبيب نحتاج في هذ الوقت العصيب إلى الاستغفار.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا شحت السماء بالماء، 
وأخبروه أن الزرع والضرع أوشك على الهلاك والجفاف، خرج بهم لصلاة الاستسقاء، 
كان يبدأ معهم أولاً بالتوبة إلى الله والاستغفار، ثم بعد ذلك يُصلي بهم صلاة الاستسقاء، 
ويقول صلى الله عليه وسلم كما روى عن عمر بن العزيز:
ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة }
(مجموع فتاوى بن تيمية)
فتوبوا إلى الله ... وأديموا الاستغفار لله ... وبعد ذلك تخيروا الأوقات التي يستجيب الله فيها الدعاء، 
وادعوا الله بصلاح الحال لبلدنا، وبصلاح الحال لرجالنا، وبصلاح الحال لكل أهلينا وأولادنا وبناتنا، وعدم تمكن الأعادي جميعاً منا.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الجمعة، 14 فبراير 2014

سر الداء والبغضاء والشحناء



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين تولانا بنعمائه، وأنزل لنا جزيل خيره وعظيم نواله وعطائه، وجعلنا خير أمة أخرجت للناس، فأخرجنا من الظلمات إلى النور ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الجهالة إلى الحلم. أتم علينا نعمته، ونسأله عزَّ وجلَّ أن ينزل علينا سكينته، ويجعل هذا البلد آمنا مطمئنا

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، هو وحده اسمه السلام ، واختار خير دين واشتقه من اسمه وسماه الإسلام ، فالإسلام من السلام، وأمة الإسلام جميعاً ينبغي أن يكون فيما بينهم في وئام ومودة وسلام. وأشهد أن سيدنا محمد عبدُ الله ورسولُه ، ألَّف الله به بين القلوب المتنافرة، وبين الوحوش الكاسرة، وجعل به الأعراب الجفاة أخوة متآلفين متكاتفين متحابين في الله

اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا محمد مؤلف القلوب ، ونازع الإحن والأحقاد من الصدور ، وناشر دين الله وهديه ، الذي نشر الله به هذا النور. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، وكل من اهتدى بهديه إلى يوم الدين، آمين آمين، يا ربَّ العالمين

أيها الأخوة جماعة المؤمنين كلنا مشغول بما يدور في بلدنا الآن، نشاهد الفضائيات ، ونقرأ الصحف والمجلات، ونسمع ونشاهد في التعليقات، نريد أن نستمع إلى رؤيةسيِّد الرسل والأنبياء للدَّاء الذي نحن فيه الآن، ونأخذ منه صلى الله عليه وسلم روشتة الشفاء. والرسول صلى الله عليه وسلم كاشفه الله ببصيرته النورانية عن كل ما يحدث في هذه الأمة ولها إلى يوم الدين، ليُشَخِّصَ الدَّاء في كل زمان ومكان، ويصف له الدواء من كتاب الرحمن عزَّ وجلَّ

ماذا يقول عن دائنا المتسبب في المشاكل التي نحن فيها الآن؟ اسمعوه صلى الله عليه وسلم وهو يقول {دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ، وَالْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ} (مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي عن الزبير بن العوام)

هذا سر الداء: بغضاء في الصدور ، وشحناء في النفوس ، وتسابق في الفانيات ، وتصارع على الكراسي والرياسات - وعامة الناس لا يجدون من يبحث لهم عن توفير رغيف الخبز، أو تسيير الأمن، أو تسهيل أمور الحياة، وترخيص الأسعار ليستطيعوا أن يواجهوا هذه الحياة الدنيا بعزَّة الله التي أمر الله أن يكون عليها المؤمنين، - مع أن أي مؤمن لكي يكون مؤمناً حقاً عند الله يقول فيه الله {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} [47الحجر]

لا ينطوي صدر المؤمن على غلٍّ لأخيه أبداً ، هل يجوز أن يَبْغَضَ مسلمٌ مسلماً؟ هل يجوز أن يكره مؤمنٌ مؤمناً؟ أبداً، إنه يكره أعداء الله المشركين والكافرين والجاحدين واليهود ومن عاونهم ونصرهم أجمعين. أما أخي المسلم - حتى لو كان مرتكباً للكبائر - يجب علىَّ أن أتقرب إليه، وأتودد إليه، وأتحبب إليه ليرجع عن طريق الغي إلى طريق الهدى والرشاد ، لا أسبُّه ولا ألعنه ولا أتهمه بشرك أو كفر

لا يُكَفَّر إلا من تبرأ من {لا إله إلا الله محمد رسول الله} والمسلمون دائماً وأبداً في كل زمان ومكان، يقول الله عزَّ وجلَّ فيهم في أحاديثهم، في فضائياتهم، في كلماتهم ومقالاتهم {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} [24الحج] يقولون الكلام الطيب الذي يؤلف القلوب ، ويُطفئ نار الفتن والإحن الموجودة في الصدور - لا يُشعلون الفتن ولا يزيدونها التهاباً – يؤلفون، ويجمِّعون ولا يُفرقون، ولا يقولون ما لا ينبغي أن يقولوه في حقِّ إخوانهم المؤمنين ، لأن هذا هو الذي يؤلِّب الصدور ويثير الشحناء هل يجوز لمسلم أن يرفع لسانه بكلمة قبيحة لأخيه يقول صلى الله عليه وسلم {مَنْ أَشَاعَ عَلَى امْرِئٍ مُسْلِمٍ كَلِمَةَ بَاطِلٍ لِيُشِينَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُذِيبَهُ بِهَا مِنَ النَّارِ حَتَّى يَأْتِيَ بِنَفَاذِهَا} (الجامع في الحديث لابن وهب عن أبي الدرداء)

كيف يقول في أخيه ما ليس فيه؟ وكيف يتهمه بما لا يفعله وما لم يقوله؟ الظنون حذر منها النبي المأمون وقال {إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ} (البخاري ومسلم وسنن الترمذي)، وقال لمن لا يتورعون عن الظن {إِذَا ظَنَنْتَ فَلا تُحَقِّقْ} (أخرجه الطبراني)

لا تخبر عن ظنك أنه حقيقة إلا إذا وجدت على ذلك أدلة مادية وحسية تثبت ظنك الذي ظننت في نفسك، وإلا فاضرب بظنك عرض الحائط ، واستغفر لربِّك وتب إليه، وقل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أن أقول كلمة في أخي المؤمن أو المسلم ليست فيه، لأخالف الله وأخالف حبيبه ومُصطفاه صلى الله عليه وسلم

إذا تسابَّ مسلمان يقول فيهما صلى الله عليه وسلم {الْمُسْتَبَّانِ شَيْطَانَانِ، يَتَهَاذَيَانِ وَيَتَكَاذَبَانِ} (مسند الإمام أحمد عن عياض بن حمار) لا ينبغي لمسلم أن يسب مسلماً أبداً

تعالوا معي إلى هذا المشهد الكريم: حدث خلاف بين أبي ذر رضي الله عنه ورجل من المسلمين، وكان أسود اللون، فقال له أبو ذر غاضباً : يا ابن السوداء ، فذهب الرجل واشتكاه إلى حضرة النبي - وأظن أن هذه بالنسبة لما يقال في زماننا ليست بشيء - فغضب النبي صلى الله عليه وسلم ، ولمع الغضب في وجهه، وكان إذا غضب احمر وجهه، وقال {يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ} (البخاري ومسلم وسنن أبي داود عن أبي ذر) كيف تعيِّر أخاك بأمِّه بلون بشرتها

وأصر أبو ذر أن يعفو عنه ، وأقسم أن يطأ الرجل وجهه بقدمه تكفيراً عن ذنبه خوفاً من غضب النَّبِيِّ صلوات ربي وتسليماته عليه ولكنهم كانوا كما علَّمهم النبي غاية في الأدب ، ورفعة الذوق ، مع أنهم لم يتخرجوا من جامعات ، ولم يحصلوا على رسائل فوق الشهادات الجامعية ، ماجستير ودكتوراه ، أقسم عليه، والمؤمن لابد أن يبرَّ قسم أخيه ، فوضع قدمه محاذية لرأس أخيه ،وبينها وبينه قدر شبر ، حتى يَبِرَّ قسمه، وإن كان لم يلمس وجه أخيه بقدمه. أدبٌ ربانيّ، وتعليمٌ نبويّ، علَّمه لهم النَّبِيُّ الكريم الذي قال له ربُّه {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [4القلم]

إخواننا نسوا أننا نمثل دين الله، وأن العالم كله ينظر إلينا لا بأسمائنا ولا بأشخاصنا ، وإنما يرى فينا تعاليم ديننا ، ويُشنعون علينا في الشرق والغرب ويقولون: هؤلاءالمسلمون وهذا دين الإسلام تقاتل وصراع ، وسباب وشتام ، وكذا وكذا مما نراه ، فلا يُسيئون إلى أنفسهم ولكنهم - وللأسف - يُسيئون إلى دين الله جلَّ في علاه ، وهذه هي الطامة الكبرى التي تناسوها ولم يفطنوا إليها

إن العالم كله ينظر إلينا، لا يعرف أسمائنا، ولكن يعرف أننا مسلمون ونمثل الإسلام الذي جاء خير دين، وكل رجل منا على أوصاف خير الأنبياء والمرسلين، لقد كان إخواننا في أفريقيا عندما يذهب إليهم رجل من بلدنا يُجْرُون له احتفالات كريمة ويقولون: هذا جاء من عند النَّبِيّ ، يحتفون به لأنه مسلم جاء من بلد الأزهر ، وجاء من عند حضرة النبيّ ، وكأنه يُمثل حضرة النبيّ في أخلاقه وكمالاته وأوصافه صلوات ربي وتسليماته عليه ، إذاً الداء {دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ} (أحمد والترمذي عن الزبير بن العوام)

ثم يأتي بالدواء {وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرٍ إِذَا أَنْتُمْ فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ} (مسلم والترمذي وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه)

الدواء : المحبة والألفة، والعطف والشفقة والمودة، التي فطر الله عليها عباده المسلمين مع بعضهم ومع إخوانهم في أي زمان ومكان، والذي دعا النَّبِيُّ أن يزهو بهم عندما طبق ذلك في حياته على أهل مدينته المنورة وقال فيهم {تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى} (البخاري ومسلم وأحمد عن النعمان بن البشير)

هذا الحب الذي جعل رأس الشاة - التي تصدَّق بها الرجل الغني على فقير - تمرُّ على سبعة بيوت للفقراء، ثم ترجع إلى البيت الأول، وكل واحد منهم يُؤْثِرُ أخاه على نفسه ويذهب إليه ويعطيه الرأس، والآخر كذلك والثاني كذلك

حتى في لحظات الموت في واقعة اليرموك جُرح واحد من المسلمين وذهب إليه ابن عمه ليسأله ماذا يريد، فأشار إليه أنه يريد شربة ماء ، وعندما جاءه بالماء وجد جريحاً آخر بجواره أشار إلى الماء ، فأشار إليه أن اذهب إلى أخي ، فذهب إلى الثاني وإذا بجريح ثالث يرجو الماء ويطلب الماء ، فأشار إليه الثاني أن اذهب إلى أخي، فذهب إلي الثالث فوجده قد مات، فرجع إلى الثاني فوجده قد مات، فرجع إلى الأول فوجده قد مات ، مات الثلاثة ولم يشربوا الماء، لكنهم أخذوا وسام الاستحقاق من خالق الأرض والسماء المكتوب عليه بكلام الله ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [9الحشر]

الإيثار بينهم كان هو الأساس ، لا علاج لنا إلا بالمحبَّة ، ولا محبَّة تكون بيننا إلا إذا كانت أمنياتنا إرضاء الله ، وهدفنا إعلاء شأن دين الله ، أما إذا كانت الأهداف دنيئة دنيوية، نطلب مقاعد أو كراسي أو مكاسب ، فإن هذا يدعو إلى التقاتل ، فإن الكلاب يتقاتلون على الجِيَف ، أما الأشراف فيتعاونون على الوصول إلى المقامات الكريمة، وإلى تحقيق الأمنيات العظيمة عند الله 

قال صلى الله عليه وسلم {يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ} (سنن أبي داود ومسند أحمد عن ثوبان) حُبُّ الدنيا رأس كل خطيئة

والذي يوصل إلى المحبَّة {أفشوا السلام بينكم} (مسلم عن أبي هريرة)، لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم {ألقوا السلام} وإنما قال {أفشوا السلام} انشروا السلام في المجتمعات، وانشروا السلام في الاجتماعات، وانشروا السلام في المقالات ، وانشروا السلام في الأحاديث الجانبيات، وانشروا السلام بين المؤمنين أجمعين، وانشروا السلام بين المتقاتلين والمتخاصمين حتى يرجع المؤمنون أجمعون رجلاً واحداً يرجو رضا الله ، ويسعى للعمل لطاعة الله ، ويقتدي بهَدْى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

وعليكم جماعة المؤمنين في هذه الآنات الكريمة أن تتضرعوا إلى الله عزَّ وجلَّ أن يكشف عنا هذه الملمة، وأن يمحو عنا هذه المحن، وأن يؤلف القلوب، وأن يجعل طاعة الله عزَّ وجلَّ هدفنا جميعنا وإعلاء شأن هذا الوطن بغيتنا أجمعين وأن يجمعنا كما قال في قرآنه الكريم {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [103آل عمران].
قال صلى الله عليه وسلم : التائب حبيب الرحمن والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين، الذي أكرمنا بالهدى واليقين، ونسأله عزَّ وجلَّ أن يكرمنا في هذه الآنات بالألفة والمودة أجمعين

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل لإمام الأنبياء والمرسلين {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [63الأنفال]. اللهم كما ألفت بين الثلج والنار، ألف بين قلوب المتشاكسين والمتخاصمين في وطننا يا عزيز يا غفار

وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله القدوة الطيبة والأسوة الحسنة لنا وللخلق أجمعين

اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا محمد وارزقنا هداه ، واجعلنا ممن يقتدي به في الدنيا ويحظى بشرف شفاعته يوم الدين ، واحشرنا أجمعين في معيته مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . اللهم صلى وسلم وبارك على هذا النبيِّ التَّقي النَّقي سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين

أيها الأخوة جماعة المؤمنين :

الواجب الآن على كل فرد من المسلمين أن يلتزم الصمت في هذه الأوقات ، إلا إذا كان للنصح للمسلمين ، أو لتأليف القلوب ، أو لجمع الناس في هذه الخطوب ، لا نقول قولاً يثير الفتن ، ولا ننضم لفريق على حساب فريق ، فكلُّهم أخوة لنا ، وكلهم - على ما أعتقد وما أظن - يسعون لمصلحة بلدنا ، لكنهم أصيبوا بآفة التشدد في الرأي ، فكل فئة منهم تتشدد لرأيها ، وينبغي علينا جماعة المؤمنين إذا كان فينا عقلاء أن يدخلوا ليصلحوا بينهم {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}[9الحجرات]

ونحن جماعة المؤمنين وعوام المؤمنين يجب علينا ألا نشتبك مع أمثالنا فنزيد المبلَّة طيناً ، إن كان بالكلام ، أو كان بالأيدي أو كان بالفعال ، وإنما نحاول قدر الاستطاعة تأليف القلوب ، وجمع شتات النفوس ، لأن هذه أوقات يقول فيها صلى الله عليه وسلم فيما رواه الرافعي عن أنس رضي الله عنه {الْفِتْنَةِ نَائِمَةٌ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَيْقَظَهَا} ويقول فيما نحن فيه الآن {أَلا إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، فَقُلْتُ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: كِتَابُ اللَّهِ، فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ. مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ. وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ. هُوَ الَّذِي لا تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلا تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ، وَلا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ. هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا: "إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ"، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الترمذي عن عليّ)

وصلت الفتنة إلى ذروتها ، وأصبح كل فريق يُؤول آيات كتاب الله حسب هواه، ويؤيد أقواله بآيات من كتاب الله يلوي ذراعها لتحكي رأيه الذي يهواه، وهذا ليس من دينالله ، علينا بالرجوع عن ذلك بالفهم الصحيح لكتاب الله الذي فهمه سلفنا الصالح، أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ ومن كان معهم، ومن تابعهم على هذا الدرب من العلماء العاملين وأصحاب المذاهب أجمعين - فإنهم كانوا وَرِعِين، ولم يتأولوا على كتاب الله إلا ما يعتقدون أنه يُرضِي ربَّ العالمين - ونخرج من الأهواء الشخصية، والتأويلات السياسية لآيات كتاب الله ، فإذا رجعنا جميعاً إلى ذلك واتفقنا على ذلك ، ربما ينظر الله إلينا نظرة عطف وحنان فيُحوِّلُ حالنا إلى أحسن حال

إخواني جماعة المؤمنين :

نحن الآن - جميعاً أهل هذا الوطن - في سفينة ، والسفينة تمشي في بحر عميق ، وقد أوشك زادها من الاقتصاد أن ينفذ فماذا نفعل نحن على ظهر هذه السفينة بعد هذه المعارك الحربية، والغزوات التي يشبهها أصحابها بأنها كالغزوات الإسلامية ، ماذا يحدث لنا إذا نفذ الزاد ، وإذا انتهى رصيدنا الاقتصادي ، ماذا نصنع وماذا نفعل؟ إننا جميعا أهل هذه السفينة نحتاج إلى الإقبال على الله ، حتى ندعو الله فيستجيب لنا الله ، ويحول هذه القلوب إلى الحال الذي يحبُّه الله عزَّ وجلَّ ويرضاه، ولا نخوض في الفتن ولا نشغل الوقت بهذه المحن ، وإنما ننشغل بالعمل الصالح الذي يقربنا إلى الله ، أو محاولة التأليف بين القلوب ابتغاء وجه الله 

نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يصلح أحوالنا ، وأن يذهب فساد قلوبنا ، وأن يصحح نوايا إخواننا المسلمين أجمعين ، حكاماً ومحكومين ، رؤساء ومرءوسين ، وأن يجعل النوايا صادقة لإصلاح شأن هذا البلد ، وأن يجعلنا جميعاً نحرص على رضاء الله ، ونسعى للتأسي بحبيب الله ومُصطفاه، ونعمل لجمع الشمل ووحدة الصف كما أمرنا الله، وأن نأخذ على أيدي المنافقين والمتربصين الذين يريدون لهذا البلد سوءا ويقطع دابرهم أجمعين

اللهم خذ على أيدي المنافقين وخذ على أيدي الكافرين واليهود الذين يمدونهم بالمساعدات أجمعين ، وأجعل مصر بلدًا آمنا

اللهم اغفر لنا ولوالدينا ، وللمسلمين والمسلمات ، وللمؤمنين والمؤمنات ، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات يا رب العالمين

اللهم رد لقادة المسيرة في بلدنا رشدهم وعقولهم حتى يهتدوا إلى الرأي الصواب ، ويمدوا أيديهم إلى الأصحاب، ويهتدوا بهدي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم في الصلح والإصلاح، حتى نظل تحت راية هذا الوطن مجموعين على العمل النافع لنا في الدنيا والرافع لنا يوم الدين

عباد الله اتقوا الله {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [90النحل]

أذكروا الله يذكركم واستغفروه يغفر لكم وأقم الصلاة


منقول من {سلسلة خطب ومقالات} للشيخ فوزى محمد أبو زيد
لمشاهدة المزيد من الخطب والدروس أضغط هنا

الشكر لله على النعم الظاهرة والباطنة

( الشكر لله على النعم الظاهرة والباطنة ) (خطبة الجمعة - بنها - مسجد عبدالمنعم رياض - 6 من ربيع الأول 1434 هـ 18/1/2013م) ---------...